في السنوات الأخيرة، باتت الرواية العربية أكثر من مجرّد حكاية عن الذات أو عن المجتمع الراهن. إذ راحت أعمال جديدة تحاول أن تعيد صياغة التاريخ، لا من خلال توثيقه أو إعادة سرده فحسب، بل عبر تفكيكه وتأويله وإعادة تخيّله برؤية معاصرة، بل وأحيانًا صادمة.
الرواية لم تعد حيادية أمام ما جرى؛ بل باتت تشكّك، تحاور، وتخترع نهايات بديلة للمآسي الجماعية.
“من قال إن التاريخ انتهى؟”: الرواية كمحكمة شعبية
روايات عربية صدرت ما بين 2022 و2025، مثل “مدن الرماد” و*”ظلّ السلطان”* و*”دفاتر الخروج الأخير”*، أظهرت ميلاً واضحًا إلى مساءلة السرديات الرسمية.
أبطالها ليسوا بالضرورة مناضلين، بل أحيانًا شهود صامتون أو خائفون، يعيشون تبعات ما لم يكتب في كتب التاريخ المدرسي.
في رواية “ظِلّ السلطان”, مثلًا، تُروى قصة بلد عربي وهمي عبر أربعة أجيال من عائلة واحدة، كل جيل يكتب مذكراته من زاويته، ليظهر التاريخ متناقضًا، مشكوكًا فيه، وتدريجيًا يتحوّل من “ذاكرة وطنية” إلى “منازعات سردية”.
روايات تُعيد للمهزومين صوتهم
اتجهت العديد من الروايات إلى إعادة الاعتبار لمن أُقصوا من مشهد البطولات أو من تغطية الإعلام الرسمي: المهمشين، النساء، الأقليات، الخونة، المنفيين.
- رواية “خريطة الغائبين” أعادت بناء نكسة 1967 من خلال سرد فتاة تعيش في أطراف غزة، لا تعرف شيئًا عن السياسة، لكنها تسمع الإذاعة وتدوّن كل شيء في دفاترها.
- بينما “أطياف بيروت” تنقل الحرب الأهلية اللبنانية من منظور ساكني الطوابق السفلى، بعيدًا عن السياسيين والقادة، ليظهر العنف اليومي كأهم من الخطاب الطائفي.
اللغة: حفر في الذاكرة وليس تزيينًا
لم تعد اللغة الروائية مجرّد وسيلة لتزيين الأحداث. الكتّاب الجدد يستخدمونها كأداة تفكيك وتحليل.
يتداخل فيها الحواري بالوثائقي، واليومي بالأسطوري، وأحيانًا توظّف يوميات حقيقية، وثائق رسمية، أو حتى منشورات فيسبوك وتغريدات من الأرشيف، كجزء من الحكاية.
رواية “أبجدية المحو” استخدمت تقنيات الصحافة الاستقصائية داخل المتن الروائي لتقديم سردية موازية عن اغتيالات في التسعينيات طُمست خلف شعارات وطنية.
لماذا يعيد الروائيون كتابة التاريخ الآن؟
هناك عدة دوافع لهذا الحراك:
- انسداد الأفق السياسي في كثير من الدول العربية.
- حالة الارتباك تجاه ما جرى بعد 2011، ما دفع البعض للتفتيش في جذور الأزمات.
- رغبة الأجيال الجديدة في “امتلاك التاريخ”، لا توريثه فقط.
الروائي هنا لا يقدم البديل الرسمي، بل يقول: “هذا سردي أنا، وهذه ذاكرة جدتي، وصوت جارنا، وليس فقط ما قالته المدرسة أو الحزب أو التلفزيون”.
التاريخ الروائي كحقل معركة رمزي
الرواية، بهذا المعنى، أصبحت حقل معركة رمزي بين سرديات السلطة وسرديات الهامش.
وبينما كانت الروايات في الماضي تخاف من “المباشرة” التاريخية، بات كثير منها اليوم يواجه الحقائق وجها لوجه، دون تجميل:
كما في رواية “وصايا متأخرة لعاصمة محروقة”، حيث يُعاد بناء تاريخ الانقلابات في إحدى الجمهوريات من منظور موظف أرشيف، لا علاقة له بالقرار، لكنه يشهد على طمس الوثائق كلما تغيّر النظام.
نحو أدب يعيد تشكيل الوعي
هذا التيار السردي ليس موضة عابرة، بل ربما هو أخطر مما يبدو.
ففي غياب عدالة انتقالية حقيقية، تصبح الرواية وسيلة رمزية للمكاشفة، للتعويض، وأحيانًا للثأر الرمزي من التهميش.
الرواية العربية الجديدة، إذًا، لا تكتب التاريخ… بل تعيد محاكمته.