رغم غياب المنتخب المصري عن نهائيات كأس العالم الأخيرة، لم تكن شوارع القاهرة ومدن مصر الأخرى هادئة. بل على العكس، ضجّت بالأعلام، الأهازيج، وصور النجوم المغاربة وهم يحققون إنجازًا تاريخيًا بوصولهم إلى نصف نهائي مونديال قطر 2022، أول منتخب إفريقي وعربي يحقق ذلك.
غير أن ما بدا احتفالًا رياضيًا عفويًا، تحوّل شيئًا فشيئًا إلى “ميديا فرح سياسية”، حيث انصهرت مشاعر الفخر القومي، والتوق العربي للإنجاز، مع أبعاد سياسية داخلية وخارجية.
“هم العرب ونحن معهم”: مصر تفرح بإنجاز مغربي
منذ فوز المغرب على إسبانيا في الدور ثمن النهائي، تحوّل المزاج العام في مصر إلى ما يشبه فرحة انتصار محلي. انتشرت صور حكيم زياش وسفيان بوفال في المقاهي الشعبية والصفحات المصرية، ترافقها عبارات مثل:
- “ده فوز لينا كلنا”
- “كأن مصر هي اللي كسبت”
هذا التضامن لم يكن مفاجئًا. فالمصريّون، رغم ابتعادهم عن البطولة، وجدوا في النجاح المغربي فرصة نادرة لعيش لحظة نصر عربية جماعية، وسط ظروف سياسية واقتصادية صعبة داخليًا.
ميديا الفرح… والسياسة بين السطور
المثير في الاحتفالات المصرية أنها لم تبقَ في حدود الكرة فقط. بل ظهرت في عدد كبير من المنشورات، والمقاطع المصورة، والميمات، رسائل سياسية مبطنة، منها:
- سخرية من واقع الأداء المحلي: “المغرب بتكسب وإحنا بنستورد لاعبين!”
- تلميح إلى فجوة الإنجاز والسياسات: “شوف الفرق بين اللي استثمر في الكرة واللي استثمر في التفريعة!”
- إعادة توجيه الحلم: “الفرح المغربي جبر بخاطرنا أكتر من أي خطاب رسمي.”
المقاهي تتحول إلى مسارح فرح بديل
مقاهي وسط القاهرة، ومناطق مثل شبرا، حلوان، والجيزة، غصّت بالمشاهدين الذين تابعوا مباريات المغرب وكأنهم يترقبون مصيرًا شخصيًا.
الهتافات لم تكن تقليدية فقط، بل حملت أبعادًا شعبية ساخرة، مثل:
- “الله على رجالة العرب!”
- “لو المغرب فيها زياش، إحنا عندنا كشرى!”
في لحظات الفوز، علت الزغاريد، وأُطلقت الألعاب النارية، وسُمعت الأغاني الوطنية، رغم أن المنتخب المصري لم يكن طرفًا في البطولة.
من الاحتشاد إلى الرسائل الشعبية: فرح مُرٌّ ومُسيس
يمكن فهم هذه الفرحة على مستويات عدّة:
- توق شعبي لحالة نصر نادرة: إذ عانت مصر، كغيرها من دول المنطقة، من انتكاسات سياسية واقتصادية متتالية.
- استدعاء الفخر العربي كمضاد للإحباط المحلي: حين يغيب الإنجاز الوطني، يتحوّل الإنجاز القومي العربي إلى بديل معنوي.
- تحويل الفراغ السياسي إلى ميديا فرح شعبي: لأن التعبير السياسي المباشر مُقيد، وجد كثيرون في “الفرح المغربي” مساحة آمنة لنقد السياسات، والتنفيس.
السوشيال ميديا… مسرح التفاعل السياسي تحت راية الكرة
في تويتر وفيسبوك، انتشرت المئات من المنشورات التي قارنت بين:
- أداء المغرب الرياضي وإنجازاته.
- وتدهور قطاعات الرياضة والتعليم والبنية التحتية في مصر.
أحد أكثر المنشورات تداولًا كان:
“المغرب بيبني منتخبات، وإحنا بنبني سجون!”
بينما كتب آخر:
“مونديال العرب الحقيقي بدأ من الدار البيضاء، مش من أي ستوديو تحليلي.”
الفرح كنوع من المقاومة الرمزية؟
يرى بعض المراقبين أن هذا التفاعل الشعبي مع إنجاز المغرب لم يكن مجرد احتفال، بل:
- طريقة ذكية للالتفاف على القيود.
- إعادة تدوير الفخر في قوالب جماعية.
- صياغة مشاعر الانتماء بصورة جديدة، غير محلية تمامًا، لكنها أيضًا غير مفروضة رسميًا.
وهكذا، تحوّل حدث رياضي خارجي إلى منصة تعبير داخلي، تتماهى فيها العواطف مع رسائل ضمنية، وتتجاوز فيها الكرة حدود المستطيل الأخضر.
ماذا بعد المونديال؟
بعد نهاية البطولة، خفتت أصوات الفرح، لكن المحتوى الذي وُلد خلالها ظل متداولًا، يُعاد استخدامه في لحظات سياسية واجتماعية لاحقة.
وهذا يؤكد أن “ميديا الفرح” في مصر لم تعد بريئة أو عفوية فقط، بل تحمل دومًا طبقة ثانية من المعنى، تقول ما لا يمكن قوله مباشرة، وتُلمّح لما لا يُسمح بتسميته.