عندما يُذكر اسم القارة القطبية الجنوبية (أنتاركتيكا)، يتبادر إلى الذهن مشهد جليدي نقي، بعيد عن صراعات النفوذ العالمي.
لكن الواقع الجيوسياسي يكشف أن هذا الامتداد المتجمد ليس بمعزل عن التنافس الدولي المتصاعد، بل صار ساحة جديدة تسعى قوى كبرى إلى ترسيخ وجودها فيها، وعلى رأسها الصين.
تسعى بكين بخطى ثابتة منذ أكثر من عقدين إلى تعزيز حضورها العلمي، واللوجستي، وربما العسكري في أنتاركتيكا، تحت غطاء الأبحاث المناخية، لكن بخلفيات استراتيجية أوسع.
فما دوافع الصين؟ ولماذا تثير تحركاتها قلقًا في الغرب؟ وهل يمكن للقارة المتجمدة أن تصبح ميدان صراع دولي بارد جديد؟
أنتاركتيكا: القارة المنسية في خرائط التوازن العالمي
تمثل القارة القطبية الجنوبية نقطة ارتكاز جيواستراتيجية، ليس فقط بسبب موقعها عند قاع الكرة الأرضية، بل لما تحتويه من موارد طبيعية محتملة، وموقع مثالي لأنشطة الرصد الفضائي والمناخي، وأيضًا بسبب وضعها القانوني الفريد.
فـ”معاهدة أنتاركتيكا” لعام 1959، الموقعة من أكثر من 50 دولة، تمنع استخدام القارة لأغراض عسكرية أو تجارية، وتحصرها في نطاق البحث العلمي السلمي.
لكن هذه المعاهدة لا تحسم مسألة ملكية الأراضي بشكل نهائي، ولا تحظر الحضور طويل الأمد أو بناء قواعد لوجستية يمكن تحويلها لاحقًا لأهداف استراتيجية.
وهنا تأتي الفرصة الصينية.
الصين تدخل السباق: من البحث العلمي إلى بناء النفوذ
دخلت الصين رسميًا إلى القارة القطبية الجنوبية عام 1985، حين أنشأت أول محطة أبحاث لها هناك. ومنذ ذلك الحين، توسّع وجودها بشكل لافت:
- تدير حاليًا 5 محطات بحثية، منها 3 دائمة و2 صيفية.
- أرسلت أكثر من 40 بعثة علمية قطبية، وهي أرقام تفوق معظم الدول النامية.
- افتتحت عام 2023 محطة جديدة في منطقة “إناركتيكا الشرقية”، يُعتقد أنها تقع في موقع استراتيجي لرصد الأقمار الصناعية.
- تعمل على تطوير أسطول كاسحات جليد ومركبات قطبية، بعضها مزود بتقنيات اتصال متقدمة.
رغم أن بكين تؤكد سلمية نشاطاتها، فإن تنامي هذا الحضور أثار قلقًا متزايدًا لدى القوى الغربية، خصوصًا في ضوء غياب الشفافية عن بعض هذه المنشآت، وصعوبة الرقابة على أنشطتها بسبب الطبيعة المعزولة للقارة.
دوافع استراتيجية صينية أبعد من البحث العلمي
لا يمكن فصل التوسّع الصيني في أنتاركتيكا عن مشروعها الأشمل: “طريق الحرير القطبي”، الذي يندرج ضمن مبادرة الحزام والطريق.
فهذا المشروع يهدف إلى:
- تعزيز طرق النقل البحري عبر الممرات القطبية.
- ترسيخ الوجود الصيني في مناطق استراتيجية نائية.
- تطوير قدرات رصد المناخ والأقمار الصناعية عبر محطات في مواقع معزولة.
- استكشاف الموارد الطبيعية المحتملة تحت الجليد، مثل النفط، الغاز، والمعادن النادرة.
- الحصول على موقع متقدم في حال أعيدت مفاوضة نظام المعاهدة بعد عام 2048، وهو التاريخ الذي يمكن فيه إعادة النظر في بعض بنود المعاهدة.
بكلمات أخرى، الصين تعمل اليوم لتكون جاهزة لما بعد 2048، حين يُحتمل أن يُعاد فتح باب التنافس على موارد القارة.
الغرب يراقب بقلق: تحذيرات وتحركات مضادة
في السنوات الأخيرة، بدأ الغرب، وتحديدًا الولايات المتحدة وأستراليا، يرفع الصوت بشأن النوايا الصينية في أنتاركتيكا:
- تقارير استخباراتية أشارت إلى أن بعض المحطات الصينية يمكن استخدامها في الرصد العسكري أو الاستخبارات الفضائية.
- حذر باحثون من أن الصين تستغل “الغطاء العلمي” لإنشاء بنية تحتية مزدوجة الاستخدام (مدنية/عسكرية).
- أعلنت أستراليا في 2022 عن خطة لتعزيز وجودها في المناطق القريبة من المحطات الصينية، وإنشاء قاعدة رصد جديدة.
ورغم عدم وجود مواجهة مباشرة، فإن هناك حرب مواقع باردة تتشكل، على هيئة بعثات علمية، وتحديث محطات، وتكثيف للرحلات الاستكشافية.
التحدي القانوني: هل تخرق الصين معاهدة القطب الجنوبي؟
رسميًا، لا تنتهك الصين بنود معاهدة أنتاركتيكا، لكنها تستغل ثغراتها القانونية:
- المعاهدة لا تمنع إنشاء محطات جديدة أو إجراء أبحاث طويلة الأمد.
- لا يوجد جهاز رقابي دولي صارم قادر على تفتيش المنشآت بشكل دوري.
- لا توضح المعاهدة موقفًا صريحًا بشأن الاستعداد للاستغلال التجاري المستقبلي.
وبالتالي، فإن بكين تسير على خط قانوني رمادي، يسمح لها ببناء موطئ قدم طويل الأمد في القارة، تحت ستار قانوني مشروع، لكنه مقلق استراتيجيًا.
مستقبل القارة: سباق نفوذ صامت أم صراع معلن؟
مع تزايد وتيرة ذوبان الجليد بسبب التغير المناخي، وانكشاف مزيد من الأراضي والموارد، يُرجح أن تتحوّل القارة القطبية الجنوبية إلى ميدان تنافس استراتيجي مفتوح.
الصين، التي تستثمر اليوم ببطء وهدوء، قد تجد نفسها في موقع قوة في العقدين القادمين، حين تُطرح القارة للمفاوضات من جديد.
وما بين الآن و2048، من المتوقع أن يزداد عدد القواعد، والمواجهات الدبلوماسية، وحتى التحركات الرمزية التي تشير إلى بروز نظام قطبي جديد لا يقل توترًا عن سباقات الفضاء والمحيطات.