منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، تعرّضت علاقات الطاقة بين روسيا وأوروبا لأكبر زلزال في تاريخها الحديث.
كان الغاز الروسي يمثل شريانًا حيويًا للطاقة في القارة العجوز، ويشكّل أحد أبرز أركان التعاون الاستراتيجي بين موسكو وبروكسل.
لكن مع تسارع التطورات، تبخّرت اتفاقيات الغاز الكبرى، وانهارت خطوط الثقة التي بُنيت على مدار عقود.
في هذا المقال، نغوص خلف الصورة الرسمية للانهيار، ونستعرض خفايا الانفصال بين طرفين كانا شريكين اقتصاديين، قبل أن يُصبحا خصمين استراتيجيين.
الغاز.. أداة استراتيجية لا مجرد سلعة
منذ التسعينيات، اعتمدت أوروبا بشكل متزايد على الغاز الروسي، والذي كان يتم ضخه عبر خطوط رئيسية مثل نورد ستريم 1 ويامل–أوروبا، ليغطي أكثر من 40% من احتياجات القارة.
هذه العلاقة خلقت تشابكًا معقدًا بين الأمن الطاقوي والمصالح السياسية.
لكن ما كان يُعدّ تعاونًا مربحًا للطرفين، أصبح مع الحرب ورقة ضغط.
فروسيا استخدمت الغاز كأداة للردع الاقتصادي، بينما سعت أوروبا لفكّ ارتباطها الطاقوي بأي ثمن.
أوروبا تبحث عن بدائل: من الواقع إلى التحديات
بعد فرض العقوبات على موسكو، لجأت أوروبا إلى تنويع مصادرها، من خلال:
- توقيع اتفاقيات غاز طبيعي مسال (LNG) مع قطر والولايات المتحدة.
- تشغيل موانئ جديدة لاستقبال شحنات الغاز المسال.
- رفع مخزونات الشتاء بنسبة قياسية.
ورغم نجاح هذه الخطوات جزئيًا في تجنّب الانهيار خلال شتاء 2022–2023، إلا أنها جاءت بتكلفة مرتفعة اقتصاديًا وبيئيًا.
التحول السريع كشف هشاشة المنظومة الأوروبية للطاقة، وعمق الاعتماد على الغاز الروسي، ليس فقط كمصدر، بل كبنية تحتية متكاملة.
انفجار خط “نورد ستريم”: حادث أم رسالة؟
في سبتمبر 2022، وقع انفجار غامض في أنابيب نورد ستريم 1 و2 في بحر البلطيق، ما أدى إلى توقفها نهائيًا.
رغم التباين في الروايات الرسمية، فإن الحادث شكّل لحظة فاصلة: نهاية رمزية وحرفية لعصر الغاز الروسي إلى أوروبا.
وسواء كان الانفجار عملية تخريب أو حادثًا، فإن تداعياته كانت استراتيجية، إذ سقط معها حلم موسكو في توسيع نفوذها الطاقوي، وانهارت رهانات أوروبية على الغاز الروسي كعنصر استقرار طويل المدى.
موسكو تعيد التوجيه.. والصين الرابح الأكبر
في المقابل، لم تقف روسيا مكتوفة اليدين.
فقد كثّفت جهودها لتحويل تدفقات الغاز نحو الشرق، عبر مشروع قوة سيبيريا الذي يغذي الصين، واتفاقيات مع الهند وباكستان.
هذا التحول يمثل إعادة رسم لخريطة الطاقة الآسيوية، مع احتمال بروز محور “موسكو–بكين” في سوق الطاقة العالمي، على حساب الشريك الأوروبي السابق.
الارتباك الألماني.. درس في الاعتماد الاستراتيجي
ألمانيا، أكبر اقتصاد أوروبي، كانت المتضرر الأكبر من انهيار اتفاقيات الغاز، إذ كانت تعتمد على روسيا بأكثر من 50% من احتياجاتها.
الارتباك السياسي في برلين كشف قصور السياسات السابقة، التي فضّلت الاعتماد على الغاز الرخيص بدل بناء منظومة طاقة أكثر تنوعًا.
لكن بعد الأزمة، بدأ تحول دراماتيكي نحو الطاقة المتجددة، وتكثيف الشراكات مع الدول العربية وشمال إفريقيا.
فرنسا.. استراتيجية النووي والتحوّط
بخلاف ألمانيا، استفادت فرنسا من اعتمادها التاريخي على الطاقة النووية، وهو ما منحها هامش مناورة أكبر.
لكن باريس لم تكن بعيدة عن الأزمة، حيث واجهت ارتفاعات في الأسعار وصعوبات في الإمداد، مما دفعها إلى تسريع خطط تطوير الطاقة البديلة.
ما وراء الصورة: تسييس الطاقة وانكشاف الغرب
أثبت انهيار اتفاقيات الغاز الروسي الأوروبي أن الطاقة لم تعد ملفًا اقتصاديًا فقط، بل ورقة نفوذ وأداة عقاب ومكافأة.
فمن جانب، خسرت أوروبا مصدرا أساسيا للطاقة الرخيصة، ومن جانب آخر، خسرت روسيا سوقًا كبيرًا وعائدات ضخمة، في وقت تحتاج فيه إلى تمويل حرب مكلفة.
ومع ذلك، فإن هذا الانفصال يُعبّر عن تحولات أعمق في النظام الدولي، حيث تتراجع مفاهيم “العولمة الآمنة”، ويحلّ محلها منطق الكتل والتحالفات.
مستقبل غير واضح المعالم
حتى اللحظة، لا توجد مؤشرات على استعادة العلاقات الطاقوية بين روسيا وأوروبا.
فالخلافات السياسية عميقة، والتوجهات الجديدة تُبنى على عقود طويلة الأمد.
لكن إذا ما تغيرت الخارطة السياسية مستقبلاً، فإن استئناف بعض خطوط الإمداد قد يعود إلى الطاولة، وإن كان في ظروف مختلفة تمامًا.
خلاصة: من الشراكة إلى القطيعة
ما حدث بين روسيا وأوروبا في ملف الغاز ليس مجرد خلاف سياسي، بل انهيار لعقود من الثقة، ونموذج لتسييس الطاقة في زمن النزاعات الكبرى.
وقد يكون هذا التحول بمثابة إنذار مبكر لعالم جديد، تُستخدم فيه الطاقة كسلاح جيوسياسي، وليس كمجرد منتج اقتصادي.