الملف النووي الإيراني: قراءة خلفية بعد استئناف المفاوضات

بعد أشهر من الجمود، عادت المفاوضات بشأن الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، في مشهد معقّد تتداخل فيه الحسابات الاستراتيجية الدولية مع تطورات إقليمية متسارعة. عودة الحوار ليست مجرد خطوة فنية، بل تعكس تحوّلاً في موازين القوة، ومراجعة متبادلة للرهانات بين طهران والقوى الكبرى.

في هذا المقال، نغوص خلف الخبر، لنفهم ما الذي تغيّر في المشهد، وما الذي تُخفيه هذه العودة “المفاجئة” إلى طاولة الحوار.


من فيينا إلى مسقط: جغرافيا المفاوضات وتحولاتها

بدأت الجولة الجديدة من المفاوضات النووية في عاصمة عربية هي مسقط، بعد أن كانت تُجرى سابقًا في فيينا. هذه النقلة في المكان ليست تفصيلًا بسيطًا، بل تشير إلى تغير في الأدوار الإقليمية، وعودة عُمان كوسيط هادئ ومقبول من الأطراف كافة.

تأتي هذه الجولة بعد قطيعة دامت لأشهر، عقب انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018 خلال عهد ترامب، وتدهور العلاقات بين طهران والعواصم الأوروبية. لكن مع مجيء إدارة بايدن، بقيت الآمال معقودة على العودة للاتفاق، دون أن يحدث ذلك بشكل عملي، رغم جولات متكررة من “المفاوضات غير المباشرة”.

اليوم، يلوح أفق جديد، تحفّه الكثير من الأسئلة والشكوك.


السياق الإيراني: اقتصاد مأزوم، ونظام يبحث عن استقرار

من جهة طهران، تأتي العودة إلى المفاوضات وسط وضع داخلي صعب، فالعقوبات الأمريكية والأوروبية أثقلت الاقتصاد، وسجل التومان الإيراني تراجعًا قياسيًا مقابل الدولار. كما يواجه النظام ضغوطًا شعبية بعد موجات احتجاجات داخلية، كان آخرها انتفاضة النساء عقب مقتل مهسا أميني، والتي أظهرت هشاشة الجبهة الداخلية.

لكن إيران، في المقابل، عززت من علاقاتها مع الصين وروسيا، ووقعت اتفاقيات استراتيجية طويلة الأمد، مما منحها هوامش تفاوض أوسع، وقلل من انكشافها الكامل أمام الغرب.

وعسكريًا، واصلت طهران تطوير قدراتها النووية، ورفعت نسبة تخصيب اليورانيوم إلى حدود تُقارب 60%، ما أثار قلق الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وجعل “الزمن اللازم لصناعة قنبلة نووية” أقصر من أي وقت مضى، حسب تقييمات استخباراتية غربية.


واشنطن: بين أولويات أوكرانيا واحتواء إيران

من الجانب الأمريكي، تشهد إدارة بايدن ضغطًا داخليًا متزايدًا، خصوصًا في عام انتخابي، يجعل من الصعب تقديم تنازلات لإيران دون مقابل سياسي واضح. كما أن أولويات السياسة الخارجية باتت أكثر تركيزًا على الملف الأوكراني، والصراع مع الصين، ما قلّص من هامش التركيز على الشرق الأوسط.

لكن مع ذلك، فإن عودة إيران التدريجية إلى الساحة الإقليمية، سواء من خلال تطبيع محدود مع بعض دول الخليج، أو دعمها المستمر لجماعات إقليمية، يجعل الملف النووي عنصرًا أساسيًا في معادلة الردع الأمريكية.

لذلك، لا تُخفي واشنطن رغبتها في “تجميد مرحلي” للبرنامج النووي، بدلًا من اتفاق شامل في هذه المرحلة، لتفادي الانفجار، دون الاضطرار للدخول في صفقة كبرى قد تُثير الجدل.


إسرائيل: اللاعب غير المباشر الأكثر تأثيرًا

في خلفية المشهد، تبرز إسرائيل كطرف غير مباشر لكنه شديد التأثير. فتل أبيب ترفض علنًا أي عودة إلى الاتفاق النووي، وتعتبره “هدية مجانية” لطهران. وقد عبّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن رفضه لأي تفاوض لا يتضمن تفكيكًا كاملاً للبنية النووية الإيرانية، لا تجميدًا مؤقتًا.

بل إن إسرائيل كثّفت في الشهور الأخيرة عملياتها السرية داخل إيران، من اغتيالات لعناصر نووية، إلى هجمات إلكترونية. وفي وقت قريب، كشفت وسائل إعلام عبرية عن تدريبات عسكرية مشتركة مع واشنطن لمحاكاة ضربات جوية ضد منشآت إيرانية، ما يعني أن الخيار العسكري لم يُسقط من الطاولة تمامًا.


أوروبا: محاولة الحفاظ على دور الوسيط

بالنسبة للاتحاد الأوروبي، الذي لعب دورًا محوريًا في جولات فيينا السابقة، فإن عودة التفاوض خارج أراضيه تُمثل تراجعًا دبلوماسيًا. لكنه يظل يراهن على إنقاذ ما تبقى من الاتفاق، انطلاقًا من مصالحه في عدم تصعيد جديد، خاصة في ظل أزمة طاقة خانقة منذ الحرب في أوكرانيا.

فرنسا وألمانيا وبريطانيا تسعى إلى صيغة “وقف مقابل وقف”: وقف تخصيب اليورانيوم مقابل رفع محدود للعقوبات، لكن أي اتفاق نهائي يظل مرهونًا بمدى قدرة واشنطن وطهران على كسر دائرة انعدام الثقة.


السيناريوهات المحتملة

في ظل هذه المعطيات، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

  1. تجميد مرحلي للبرنامج النووي
    يتم عبر اتفاق مؤقت، يُقلل مستوى التخصيب مقابل تخفيف جزئي للعقوبات، مع تأجيل النقاط الخلافية الكبرى. هذا السيناريو هو الأرجح في المدى القصير.
  2. انهيار المفاوضات وتصعيد متدرج
    خاصة في حال عودة التيار المحافظ في واشنطن بعد الانتخابات، أو تصاعد ضربات إسرائيلية ضد أهداف داخل إيران.
  3. اتفاق شامل جديد
    وهو سيناريو بعيد، يتطلب تنازلات استراتيجية من الطرفين، وربما لا يتبلور قبل 2026، بعد تغير محتمل في مراكز صنع القرار.

خاتمة: مفاوضات تحت النار

الملف النووي الإيراني يعود اليوم إلى الطاولة لا كمسألة تقنية فحسب، بل كرمز لصراع إقليمي ودولي مركّب. فالمفاوضات لا تجري فقط بين ديبلوماسيين، بل في ظل ضربات متبادلة، وتحركات عسكرية، واصطفافات جديدة.
وفهم أبعاد هذا الملف لا يكتمل دون إدراك الخلفيات العميقة التي ترسم ملامح كل قرار، وكل خطوة.

Show Comments (0) Hide Comments (0)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
المقالات الأخيرة: