تطوّر التنظيمات المتطرفة في الصومال خلف الأضواء

رغم أن أنظار العالم غالبًا ما تتركز على بؤر التوتر التقليدية في الشرق الأوسط أو أوكرانيا، يظل القرن الإفريقي — وخاصة الصومال — مسرحًا لتطورات أمنية عميقة، غالبًا ما تجري في الظل. فخلف عناوين الحرب الأهلية والمجاعة، يتطوّر مشهد التنظيمات المتطرفة هناك بوتيرة متسارعة، وبأساليب أكثر تعقيدًا من السابق، في تفاعل مع الديناميكيات المحلية والدولية.

وفي قلب هذه الديناميكيات، تبرز حركة “الشباب المجاهدين”، كأحد أكثر التنظيمات تطورًا من حيث البنية، التمويل، والأساليب، مما يجعل فهم تحوّلاتها أمرًا حيويًا لأي قراءة استراتيجية لمستقبل الصومال، بل والمنطقة بأسرها.

حركة الشباب: من التمرد إلى الاحتراف

منذ تأسيسها في 2006 كفرع صومالي لحركة “الاتحاد الإسلامي”، ثم كذراع لتنظيم القاعدة في شرق إفريقيا، تطورت حركة الشباب من مجرد مليشيا محلية إلى كيان عسكري وأمني ذو طابع “شبه دولتي” في بعض المناطق. فبعد سنوات من المواجهة المفتوحة مع القوات الإفريقية (أميصوم) والحكومة المركزية، تبنّت الحركة استراتيجية جديدة تعتمد على اللامركزية، وحرب العصابات، و”الاختراق الناعم” للمؤسسات المجتمعية.

تُسيطر الحركة اليوم على أجزاء واسعة من الأرياف الجنوبية، وتفرض أنظمة جباية أشبه بالضرائب، كما تدير “محاكم شرعية” تحكم بين الناس، مستغلة تراجع الدولة المركزية وضعف الثقة بها. هذا التحول التنظيمي جعلها أقرب إلى “إدارة ظل” أكثر من كونها ميليشيا تقليدية.

تغير في البنية والاستقطاب

ما يميز المرحلة الحالية هو أن الحركة باتت تضع قدرًا كبيرًا من التركيز على استقطاب عناصر متعلمة ومدربة، بل وتستخدم بعض الأدوات الحديثة في التجنيد، كوسائل التواصل الاجتماعي، والمواد الدعائية عالية الجودة.

كما أنها لم تعد تعتمد فقط على الولاءات القبلية أو الروابط المحلية، بل بات لها امتدادات في كينيا، تنزانيا، وأوغندا، عبر خلايا نائمة أو مجموعات مؤيدة، مما يعزز بعدها الإقليمي، ويُصعب من عملية احتوائها.

الأكثر لفتًا للنظر أن تقارير استخباراتية متعددة تحدثت عن تطويرها لوحدات تجسسية داخل العاصمة مقديشو، تعمل على جمع معلومات، وتصفية الخصوم، وتجنيد أفراد من مؤسسات رسمية. هذا التغلغل يجعل محاربتها أصعب بكثير من ذي قبل.

صراع نفوذ خفي بين القاعدة وداعش

رغم أن الحركة ظلت تابعة عقائديًا وتنظيميًا للقاعدة، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تنامي نشاط فرع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في الصومال، لا سيما في شمال البلاد، وتحديدًا في إقليم بونتلاند شبه المستقل.

الصراع بين الطرفين ليس مجرد خلاف عقائدي، بل يتصل بالنفوذ، التمويل، وطرق السيطرة على الموارد. وقد سجلت اشتباكات دامية بين الطرفين، إضافة إلى عمليات اغتيال متبادلة لقادة محليين. لكن الأخطر من ذلك، أن بعض الشباب المتشددين باتوا يتنقلون بين التنظيمين وفقًا للفرص، مما يخلق حالة من “الازدواجية الجهادية” التي تعقّد مشهد التطرف في البلاد.

التمويل عبر الجريمة المنظمة والتحويلات

بعيدًا عن الدعم الخارجي أو التبرعات، باتت التنظيمات المتطرفة في الصومال تعتمد على شبكات معقدة من التمويل، تبدأ من الجباية المحلية (بما يشبه الضرائب)، مرورًا بعمليات التهريب، والسيطرة على موانئ صغيرة، وانتهاءً بتحويلات مالية من الشتات الصومالي.

كما تشير بعض التقارير الأممية إلى وجود ارتباطات بين بعض شبكات الشباب ودوائر الجريمة المنظمة في كينيا، خاصة في تجارة الفحم والأسلحة. وقد استخدمت الحركة مناطق نفوذها لتكون معابر لتهريب البشر والأسلحة، مما وفّر لها دخلًا كبيرًا يصعب تتبعه.

الموقف الإقليمي والدولي: تدخل محدود، نتائج محدودة

رغم وجود قوات أفريقية (ATMIS، بديل بعثة أميصوم) منذ سنوات، إلا أن أثرها الفعلي في تحجيم قوة الشباب يبدو محدودًا. فبمجرد انسحاب أي قوات من منطقة ما، تعاود الحركة التمدد إليها. وقد فشلت معظم العمليات العسكرية في القضاء على قدراتها البنيوية، رغم تكرار الضربات الجوية الأمريكية التي تستهدف قادتها.

من جانب آخر، فإن الصراع الجيوسياسي في القرن الإفريقي، واحتدام التنافس بين قوى مثل تركيا، الإمارات، قطر، وإثيوبيا، جعل الصومال ساحة تصفية حسابات أكثر من كونها بيئة دعم حقيقية لبناء دولة قادرة على مواجهة التطرف.

ماذا عن الحكومة الصومالية؟

الحكومة المركزية، التي تواجه تحديات جمّة في بناء مؤسسات فاعلة، تعاني من شُحّ التمويل، وضعف السيطرة على الأطراف، والانقسامات الداخلية. وبالرغم من بعض التقدم الذي حققته في تأمين مناطق في العاصمة، إلا أن معظم الريف لا يزال خارج سيطرتها.

كما أن الانقسامات بين الأقاليم الفيدرالية — مثل بونتلاند وجوبالاند — تُضعف من موقف الدولة، وتُعطي التنظيمات المتطرفة فرصة للتمدد مستغلة هذه الانقسامات.

خاتمة: خطر مستمر في الظل

التنظيمات المتطرفة في الصومال لم تعد مجرد تهديد محلي، بل باتت تمثل خطرًا إقليميًا متصاعدًا، يتغذى على هشاشة الدولة، والتدخلات الخارجية المتضاربة، وغياب استراتيجية دولية موحدة لمعالجة جذور الأزمة.

وإذا لم يُعد النظر في مقاربة مكافحة التطرف في الصومال من خلال دعم الدولة، وتنمية الأقاليم، وتعزيز التعليم، فستبقى هذه التنظيمات تتطوّر في الظل، وتُعيد إنتاج نفسها بأساليب أكثر تعقيدًا وفاعلية، مما يهدد استقرار القرن الإفريقي لعقود قادمة.

، ،، ، ،، ،،

Show Comments (0) Hide Comments (0)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
المقالات الأخيرة: