أي مصالح استراتيجية خلف انفتاح السعودية على إسرائيل؟

منذ إعلان اتفاقيات أبراهام في 2020، التي دشنت مرحلة جديدة من العلاقات بين دول عربية وإسرائيل، تتزايد الإشارات إلى أن المملكة العربية السعودية تتهيأ للانخراط الكامل في مسار تطبيع مدروس مع تل أبيب. وعلى الرغم من أن الرياض لم تُعلن حتى الآن عن إقامة علاقات دبلوماسية رسمية، إلا أن سلسلة من المؤشرات السياسية والاقتصادية والأمنية، توحي بأن المسألة باتت أقرب إلى واقع فعلي يتجاوز مجرد الإشارات الإعلامية أو المواقف البراغماتية في المنتديات الدولية.

فما الذي تغيّر في موقف السعودية؟ وما هي المصالح الاستراتيجية التي تدفعها نحو هذه الخطوة الحساسة، في ظل واقع إقليمي معقد، وشعب عربي لا يزال يحتفظ بجرح مفتوح اسمه “فلسطين”؟

حسابات الجغرافيا السياسية ومواجهة النفوذ الإيراني

من أبرز دوافع الانفتاح السعودي تجاه إسرائيل هو التقاء المصالح الأمنية في وجه التهديدات الإيرانية المتزايدة. فرغم الاختلاف في المرجعيات والخلفيات، تتقاطع الرياض وتل أبيب في رؤية مشتركة تعتبر أن طهران تمثل تهديدًا وجوديًا لمصالح الطرفين، سواء عبر مشروعها النووي أو من خلال أذرعها المنتشرة في لبنان وسوريا والعراق واليمن.

السعودية، التي خاضت حربًا استنزافية في اليمن، وتواجه تحديات مباشرة من الحوثيين المدعومين إيرانيًا، تجد في إسرائيل شريكًا قادرًا على توفير منظومات دفاع متقدمة، وتكنولوجيا عسكرية فائقة، لا سيما في مجالات الرادارات، والتصدي للطائرات المسيّرة، وأنظمة القبة الحديدية.

كما أن التحول في ميزان القوى بعد الاتفاق الإيراني – الصيني – الروسي، يجعل الرياض تبحث عن تحالفات غير تقليدية. ومع انحسار الدور الأمريكي في الشرق الأوسط، تزداد الحاجة إلى شبكة تحالفات قادرة على خلق توازن ردع إقليمي، وتعتبر إسرائيل ضمن هذه الحسابات طرفًا محوريًا.

رؤية 2030 واقتصاد ما بعد النفط

لا تنفصل الدوافع الاقتصادية عن قرار التقارب، فالسعودية تعيش مرحلة تحول اقتصادي واجتماعي غير مسبوقة ضمن “رؤية 2030” التي أطلقها ولي العهد محمد بن سلمان. وتحتاج المملكة في هذه المرحلة إلى شراكات تكنولوجية واقتصادية قوية، تسمح لها بتسريع الانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد قائم على المعرفة والصناعة والتكنولوجيا.

إسرائيل، رغم مساحتها الصغيرة، تُعد من أكبر الدول ابتكارًا في مجالات الأمن السيبراني، والزراعة المتطورة، وإدارة الموارد المائية، والطاقة الشمسية. وكل هذه المجالات تمثل ضرورة استراتيجية للسعودية في السنوات القادمة، خاصة في ظل طموحاتها لتحويل بعض المناطق – مثل نيوم – إلى مدن ذكية متقدمة.

كما أن مشاريع الربط البري والسككي، التي قد تربط الخليج بالبحر المتوسط مرورًا بإسرائيل، تفتح آفاقًا جديدة لطرق التجارة والطاقة، وتقلل من الاعتماد على الممرات البحرية الخاضعة لتهديدات أمنية، مثل مضيق هرمز وباب المندب.

المقابل السياسي والدبلوماسي

من غير المتوقع أن تقدّم السعودية على خطوة التطبيع الكامل دون الحصول على مقابل سياسي معتبر، يبرر هذا التحول أمام شعبها والعالمين العربي والإسلامي. وقد أظهرت الرياض مرارًا أنها ليست في وارد التطبيع المجاني.

من بين الشروط التي طُرحت في السنوات الماضية، ضمانات أمريكية لأمن الخليج، وتسهيلات تكنولوجية نووية سلمية، وربما رفع مستوى العلاقات الدفاعية مع واشنطن إلى مستوى حلفاء الناتو. وهناك أيضًا حديث عن مطالب سعودية بدور أكثر تأثيرًا في حل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، ولو عبر ضمانات لتجميد الاستيطان أو خطوات ملموسة نحو حل الدولتين.

ورغم تشكيك بعض المراقبين في إمكانية تحقيق هذه المطالب، إلا أن السعودية تملك من أوراق الضغط ما قد يجعلها تنتزع مكاسب دبلوماسية غير مسبوقة في حال قررت خوض هذا المسار حتى نهايته.

مواقف داخلية متباينة

لا يخفى أن المسألة شديدة الحساسية داخل المملكة. فالسعودية، بوصفها قبلة المسلمين وراعية الحرمين الشريفين، تتحمل مسؤولية سياسية ودينية خاصة تجاه القضية الفلسطينية. كما أن الرأي العام العربي لا يزال يعبّر، في معظمه، عن رفض أي تقارب مع إسرائيل خارج إطار حل عادل وشامل.

ورغم الانفتاح الإعلامي الأخير في السعودية، الذي يُظهر تعاطيًا مختلفًا مع قضايا التطبيع مقارنة بالسابق، لا تزال هناك تحفظات شعبية وشرعية تتطلب معالجة دقيقة وتدرجًا محسوبًا في الخطوات.

كما أن التيارات الدينية داخل المملكة – حتى بعد تقليم أظافر بعضها – تحتفظ بثقل اجتماعي لا يُستهان به، مما يجعل أي اندفاع نحو التطبيع الكامل دون تغطية فقهية أو تبرير ديني ذكي، مخاطرة سياسية غير مضمونة النتائج.

تقاطع الرهانات مع إدارة بايدن

أحد العوامل التي عجّلت بهذا الانفتاح هو التقاطع التكتيكي بين رغبات واشنطن ومصالح الرياض. إدارة بايدن، رغم علاقاتها الفاترة مع القيادة السعودية في بدايتها، تسعى إلى تسويق اختراق دبلوماسي كبير في الشرق الأوسط، يُحسب لها مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقبلة.

وهنا، قد يُشكل التطبيع السعودي – الإسرائيلي الورقة الذهبية التي يحتاجها البيت الأبيض لتأكيد دوره كصانع سلام إقليمي. أما السعوديون، فهم يدركون أن تقديم هذه الورقة سيمنحهم في المقابل امتيازات استراتيجية، على رأسها تحديثات عسكرية، واعتراف ببرنامجهم النووي السلمي، وربما عودة تدريجية للدعم السياسي الغربي غير المشروط.

في الختام

ليست العلاقات بين السعودية وإسرائيل مجرد تقارب مصالح آني، بل تعكس تحوّلات عميقة في بنية النظام الإقليمي، وتغيّر قواعد اللعبة الجيوسياسية في الشرق الأوسط. وإذا كانت هذه العلاقات لا تزال تُدار خلف الكواليس، فإن ملامحها بدأت تطفو تدريجيًا على السطح، وسط عالم يتغير بسرعة، وتحالفات لم يعد يحكمها مبدأ “العدو التاريخي”، بقدر ما تضبطها بوصلة المصالح.

لكن يبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع الرياض الموازنة بين متطلبات الداخل وضغوط الخارج، بين دعم القضية الفلسطينية والتحالف مع من يحتلها؟ أم أن عصر “السياسات الرمادية” قد انتهى، وبدأت مرحلة الخيارات الحاسمة؟

Show Comments (0) Hide Comments (0)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
المقالات الأخيرة: