الردع النووي الأوروبي: هل تسعى القارة لردع خاص بها؟

لطالما اتكأت أوروبا، وبالأخص دول الاتحاد الأوروبي، على المظلة النووية الأمريكية كجزء من تحالف “الناتو”. لكن تحولات النظام العالمي، والحرب الروسية في أوكرانيا، وصعود التيارات القومية، دفعت كثيرًا من الساسة والمفكرين إلى طرح تساؤل حرج: هل على أوروبا أن تمتلك قوة ردع نووية مستقلة؟ وهل القارة مهيّأة لذلك سياسيًا وتقنيًا وأخلاقيًا؟


🧭 السياق التاريخي: من المظلة الأمريكية إلى التفكير بالاستقلال

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، استندت أوروبا الغربية إلى القوة النووية الأمريكية كجزء من معادلة الردع في الحرب الباردة.

لكن مع:

  • تصاعد التوتر مع روسيا
  • الشكوك في التزام واشنطن بعد وصول ترامب ثم عودته المحتملة
  • اضطرابات داخل الناتو

… بدأ يُطرح سؤال السيادة النووية بجدية أكبر.

🔍 معلومة مهمة: فرنسا هي الدولة الوحيدة داخل الاتحاد الأوروبي التي تمتلك ترسانة نووية مستقلة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد.


فرنسا: العمود النووي الوحيد داخل الاتحاد

فرنسا تحتفظ بمنظومة ردع نووي قوية تشمل:

  • غواصات نووية مزودة بصواريخ عابرة للقارات
  • طائرات تحمل رؤوسًا نووية
  • استقلال كامل في اتخاذ قرار الضربة النووية

🇫🇷 الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعا أكثر من مرة إلى:

“حوار أوروبي حول الردع النووي”.

لكن فرنسا لا تزال مترددة في تحويل ترسانتها إلى “درع أوروبي مشترك”، خوفًا من تقييد سيادتها.


ألمانيا: أكبر اقتصاد بلا سلاح نووي

رغم قوتها الاقتصادية والعسكرية التقليدية، ترفض ألمانيا تطوير سلاح نووي لأسباب:

  • تاريخية (موروث الحرب العالمية الثانية)
  • قانونية (الالتزام باتفاقيات عدم الانتشار)
  • سياسية (الرأي العام والمخاوف الأخلاقية)

لكن المفارقة أن ألمانيا تحتضن رؤوسًا نووية أمريكية في قاعدة “بيشل”، وتشارك في مهام الناتو النووية عبر طائراتها.

🧠 هناك دعوات متصاعدة في الأوساط الفكرية الألمانية لتشكيل “ردع نووي أوروبي تحت قيادة متعددة”، لكن القرار لا يزال بعيد المنال.


🌐 الردع الأوروبي: هل يمكن أن يكون مشتركًا؟

الخيارات المطروحة:

1. “ناتو أوروبي مصغر” بقيادة فرنسا

يتم فيه إشراك دول مثل ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا في خطة دفاع نووي جماعي.

2. توسيع المشاركة في ترسانة فرنسا

من خلال ضمانات ثنائية أو متعددة الأطراف تتيح للدول الأوروبية دورًا في تحديد استخدام السلاح النووي الفرنسي.

3. بناء ترسانة جديدة

وهو خيار معقد قانونيًا وسياسيًا ويتطلب عقودًا من التطوير.


🚧 العقبات: لماذا لا يزال الردع النووي الأوروبي فكرة لا تُطبّق؟

  1. انقسام داخل الاتحاد الأوروبي
    دول شرقية مثل بولندا ودول البلطيق تفضل الاعتماد على الناتو بدلًا من التفاوض مع فرنسا.
  2. الرأي العام الأوروبي
    المجتمعات الأوروبية تميل للسلمية، ومعارضة امتلاك السلاح النووي لا تزال قوية في أغلب الدول.
  3. تكاليف ضخمة
    بناء ترسانة نووية يتطلب مئات المليارات من الدولارات، وهي تكلفة لا تبدو أوروبا مستعدة لتحمّلها حاليًا.
  4. التشابك مع منظومة الناتو
    أي مشروع ردع أوروبي مستقل قد يُفهم على أنه تهديد لوحدة الحلف الأطلسي.

🔍 هل يمكن لأوروبا الوثوق بالحماية الأمريكية؟

التجربة مع إدارة ترامب (2016–2020) — ثم عودته المحتملة في 2025 — أظهرت أن:

الضمانات الأمريكية ليست مضمونة دائمًا.

هذه الحقيقة تدفع بعض الدول الأوروبية إلى التفكير في بدائل، على الأقل لضمان ردع إقليمي محدود في حال تخلفت واشنطن.


💡 أوروبا بين الخيار الأخلاقي والاستراتيجي

  • أخلاقيًا: أوروبا تُقدّم نفسها كقوة سلام، وتدعو لنزع السلاح النووي.
  • استراتيجيًا: ترى في روسيا – وربما الصين لاحقًا – تهديدًا وجوديًا يتطلب ردعًا فعّالًا.

🤔 المفارقة: هل تستطيع أوروبا الحفاظ على صورتها السلمية بينما تسعى لبناء “فأس نووي”؟


🔚 خاتمة: بين الضرورة والتردد

رغم كثافة النقاش الأوروبي، لا تزال فكرة الردع النووي الأوروبي الخاص في طور التفكير، لا التنفيذ.

لكن الزمن يتغير، والتهديدات تتعقّد، وربما يأتي يوم تُجبر فيه القارة على الاختيار بين الاستقلال الاستراتيجي أو الاستمرار في الاعتماد على قوة خارجية.

⚖️ هل أوروبا مستعدة لتحمّل مسؤولية القوة النووية، أم ستبقى في ظل مظلة الآخرين؟

Show Comments (0) Hide Comments (0)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
المقالات الأخيرة: