في السنوات الأخيرة، لم يعد الاقتصاد العالمي مجرد ساحة للتبادل والنمو، بل تحول تدريجيًا إلى ساحة صراع استراتيجي تستخدم فيها الدول أدواتها الاقتصادية كما تُستخدم الأسلحة في المعارك. تُعرف هذه الظاهرة بـ “عسكرة الاقتصاد”، وهي تعكس تحوّلًا كبيرًا في فهمنا للعلاقات الاقتصادية الدولية.
🔍 ما المقصود بعسكرة الاقتصاد؟
عسكرة الاقتصاد تشير إلى استخدام السياسات الاقتصادية، والأدوات المالية، والاتفاقيات التجارية، وحتى الابتكار الصناعي، كوسائل لخدمة الأهداف السياسية والأمنية. في هذا السياق، لم تعد التجارة وسيلة للتقارب، بل أصبحت أداة للضغط، والمنافسة، والردع.
هذا التوجه يتعارض مع مرحلة العولمة التي سيطرت في العقود الماضية، حيث كانت الترابطات الاقتصادية تُعد ضمانة للاستقرار. أما اليوم، فإن شعار المرحلة هو الاستقلال الاستراتيجي والسيطرة على مفاصل الإنتاج.
🏗️ الأمن القومي كدليل لإعادة هيكلة الاقتصاد
في عديد من دول العالم، باتت مفاهيم الأمن القومي توجه الاستثمارات والقرارات الاقتصادية:
- في الولايات المتحدة، جاء قانون الرقائق CHIPS Act كجزء من استراتيجية للحد من الاعتماد على الصين في الصناعات التكنولوجية.
- الاتحاد الأوروبي يتحدث عن الاستقلالية الاستراتيجية في مواجهة الأزمات.
- الصين تطبق سياسة “التداول المزدوج” لتعزيز السوق المحلي وتقليل الانكشاف الخارجي.
- الهند أطلقت مبادرة “الهند المستقلة” لتقليص الاعتماد على الواردات.
هذا التوجه يعكس رؤية جديدة: الاقتصاد أصبح جزءًا من منظومة الدفاع الوطني.
⚔️ الاقتصاد كسلاح في الصراعات
تستخدم الدول أدوات اقتصادية لمعاقبة خصومها أو فرض سياساتها:
🔻 العقوبات الاقتصادية
- الولايات المتحدة فرضت عقوبات على إيران، روسيا، وكوبا.
- أوروبا ردت على الحرب في أوكرانيا بحزم من العقوبات على موسكو.
- الصين لجأت إلى العقوبات غير الرسمية ضد دول كأستراليا وليتوانيا.
💰 العملة والنظام المالي
- تم تسليح الدولار عبر طرد دول من نظام SWIFT المالي.
- روسيا والصين تعملان على تطوير نظم بديلة وتكديس الذهب والعملات الصعبة.
🧱 الحواجز الصناعية الجديدة
نشهد عودة قوية لتدخل الدولة في الاقتصاد، وهو ما يعكس تراجع الليبرالية الاقتصادية:
- الحكومات تدعم الصناعات الحساسة: مثل التكنولوجيا الخضراء، والبطاريات، والرقائق الإلكترونية.
- سلاسل التوريد يُعاد توزيعها على أساس “التحالفات الموثوقة” وليس الكفاءة.
- يُعاد تعريف الاقتصاد على أساس الولاء السياسي لا الجدوى الاقتصادية.
🌍 تراجع العولمة أم تحوّلها؟
لسنا أمام نهاية العولمة، بل أمام عولمة جديدة محكومة بالسياسة لا السوق:
- تقاطع سلاسل الإمداد نتيجة للاعتبارات الجيوسياسية.
- تغيّر التحالفات التجارية وفقًا لمعايير الولاء الأيديولوجي.
- تكلفة هذا التحول باهظة، سواء في الأسعار أو في تباطؤ الابتكار.
🧨 أوكرانيا: النموذج الصارخ لعسكرة الاقتصاد
أدت الحرب في أوكرانيا إلى تحويل الاقتصاد إلى ساحة مواجهة:
- أوروبا عانت من أزمة طاقة بسبب الاعتماد على الغاز الروسي.
- الأصول الروسية جُمّدت، ما اعتبره كثيرون سابقة خطيرة.
- روسيا ردت بتقوية علاقاتها الاقتصادية مع الصين والهند وغيرها.
🛰️ التكنولوجيا: الجبهة الجديدة للصراع
التكنولوجيا أصبحت الجبهة الأخطر:
- الولايات المتحدة فرضت قيودًا على تصدير الرقائق إلى الصين.
- الصين تستثمر بقوة في الاكتفاء الذاتي في الذكاء الاصطناعي والاتصالات.
- الذكاء الاصطناعي يُدمج في الأنظمة العسكرية والدعاية والمراقبة.
🎯 القطاعات الاستراتيجية المستهدفة:
- أشباه الموصلات
- المعادن النادرة
- شبكات البيانات والاتصالات
- الفضاء والذكاء الاصطناعي
- الأمن السيبراني
💼 الشركات: بين المطرقة والسندان
لم تعد الشركات الكبرى مثل Apple، TikTok، وHuawei مجرد كيانات اقتصادية:
- الحكومات تطلب منها إعادة التموقع الجغرافي.
- هناك ضغوط متزايدة للكشف عن المخاطر الجيوسياسية للمستثمرين.
- يتم إجبار بعض الشركات على الانسحاب من أسواق بعينها.
📉 الأثمان الاقتصادية والتبعات المحتملة
رغم أن عسكرة الاقتصاد توفر مرونة أمام الأزمات، إلا أن لها كلفة عالية:
- تضخم ناتج عن إعادة سلاسل الإنتاج داخليًا
- انخفاض كفاءة التجارة العالمية
- تراجع التعاون الدولي في ملفات المناخ والصحة
- احتمال تصعيد الصراعات الاقتصادية إلى صراعات مسلحة
🔚 خاتمة: الاقتصاد كخط دفاع أول
في عالم تتصاعد فيه التوترات، لم يعد الاقتصاد مجرد وسيلة للرفاه، بل أصبح أداة للسيادة والهيمنة. من الصعب الفصل اليوم بين قرار اقتصادي وقرار أمني.
💡 على الدول أن توازن بين حماية أمنها القومي والحفاظ على النظام الاقتصادي العالمي من الانهيار.
المستقبل يبدو أقل ترابطًا… لكنه أكثر تسليحًا.