يكشف هذا المقال أسباب تراجع النفوذ الفرنسي في مستعمراتها السابقة، خاصة في إفريقيا والشرق الأوسط، ويرصد التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي تقوّض حضور باريس التقليدي، وسط صعود منافسين جدد وتغير المزاج الشعبي.
القوة الاستعمارية القديمة تتراجع
لطالما اعتُبرت فرنسا لاعبًا تقليديًا محوريًا في مستعمراتها السابقة، خصوصًا في إفريقيا الفرنكوفونية.
لكن منذ العقد الأخير، وتحديدًا بعد 2020، أخذ النفوذ الفرنسي في التآكل بوتيرة متسارعة، لدرجة دفعت بعض القادة الأفارقة إلى طرد القوات الفرنسية من بلادهم، كما حدث في مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
فما الذي تغيّر؟
ولماذا تفقد باريس حضورها التاريخي في مناطق لطالما كانت ساحتها الخلفية؟
🗺️ أولًا: إفريقيا تنقلب على فرنسا
🌍 الانقلابات العسكرية… بداية التحوّل
خلال السنوات الأخيرة، شهدت منطقة الساحل موجة من الانقلابات (مالي 2021، بوركينا فاسو 2022، النيجر 2023)، وغالبًا ما تلاها طرد للقوات الفرنسية من قبل السلطات الجديدة.
هذه الأنظمة العسكرية اعتبرت فرنسا رمزًا للهيمنة والتدخل، وربطت مشاكل بلادها بـ”الإرث الاستعماري”، لتكسب دعمًا شعبيًا واسعًا.
🔄 صعود بدائل جديدة: روسيا وتركيا والصين
- روسيا، عبر مجموعة “فاغنر”، أصبحت تحظى بقبول شعبي ورسمي في بعض تلك الدول.
- تركيا تنخرط بقوة عبر اتفاقيات دفاع وتجارية.
- الصين تسيطر على قطاعات البنية التحتية والتمويل.
🎯 النتيجة؟
فرنسا لم تعد الفاعل الحصري أو المحبوب.
📉 ثانيًا: فشل النماذج الأمنية والتنموية الفرنسية
🪖 عملية “برخان” العسكرية
فرنسا أطلقت عملية برخان لمحاربة الجماعات المتطرفة في الساحل، لكنها استمرت لسنوات دون نتائج حاسمة، مما جعل حضورها يبدو كـ”احتلال غير مباشر” في نظر قطاعات واسعة من السكان.
💰 وعود التنمية لم تتحقق
رغم ضخّ فرنسا مليارات الدولارات في مساعدات وتنمية، إلا أن الفقر والاستبداد والفساد استمرت، ما عمّق الشعور بأن المساعدات تُدار من النخب لصالح النخب.
🧠 ثالثًا: ذاكرة الاستعمار… جرح لا يندمل
لا تزال الذاكرة الاستعمارية حية في المجتمعات الإفريقية والعربية:
- فرنسا لا تعترف رسميًا بجرائم الاستعمار بشكل كامل، رغم بعض الخطوات الرمزية.
- تُتهم باريس بدعم أنظمة استبدادية موالية، على حساب إرادة الشعوب.
📌 وهذا ما جعل الشعارات المعادية لفرنسا تلقى صدى واسعًا، خصوصًا في أوساط الشباب.
🤝 رابعًا: ضعف الدبلوماسية الفرنسية في حقبة ماكرون
😐 خطاب متعالٍ
أثارت تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استياءً واسعًا، حيث وُصفت أحيانًا بالمتعالية أو غير المتفهمة لحساسية الشعوب تجاه “النبرة الاستعمارية”.
🗣️ أزمات متكررة مع الجزائر وتونس ولبنان
فرنسا دخلت في توترات مع عدة دول عربية وإفريقية، بسبب تصريحات أو سياسات لا تُراعي “الحساسيات التاريخية والثقافية”.
📲 خامسًا: الإعلام الرقمي وكسر الاحتكار الروائي
لم يعد الإعلام الفرنسي المصدر الحصري للأخبار والمواقف في إفريقيا والشرق.
اليوم، تنتشر روايات بديلة عبر:
- منصات التواصل الاجتماعي
- قنوات ناطقة بالعربية مثل الجزيرة وRT عربي
- إعلام محلي متحرر نسبيًا
🎯 وهذا يُفقد فرنسا القدرة على التحكم في السردية العامة.
⚖️ خاتمة: هل هو تراجع أم تحوّل استراتيجي؟
ما تعيشه فرنسا اليوم في مستعمراتها السابقة ليس مجرد تراجع ظرفي، بل تحوّل استراتيجي في طبيعة العلاقة:
- الشعوب لم تعد ترى في باريس راعيًا للاستقرار.
- الفاعلون الجدد أصبحوا أكثر حضورًا ومرونة.
- الهيبة الفرنسية تتآكل، والمجال الجيوسياسي يُعاد تشكيله.
✏️ التحدي أمام فرنسا الآن هو التحوّل من عقلية السيطرة إلى عقلية الشراكة، وإلا فإنها ستجد نفسها خارج اللعبة التي كانت تقودها لقرون.