ماذا يعني الصمت العربي تجاه الحرب في غزة؟

يكشف هذا المقال دلالات الصمت العربي الرسمي تجاه الحرب في غزة، وما إذا كان يعكس حسابات سياسية، أو تراجعًا استراتيجيًا، أو تجاهلًا للضغط الشعبي المتعاظم. تحليل معمّق للتباين بين مواقف الحكومات وردود فعل الشارع العربي.

غزة تحترق… والعالم العربي يهمس

منذ انطلاق “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023، دخلت غزة في واحدة من أعنف جولات الصراع مع إسرائيل. الهجمات الإسرائيلية طالت المدنيين والمستشفيات والبنية التحتية، وخلّفت آلاف القتلى والجرحى.

لكن اللافت، ليس فقط حجم المأساة، بل أيضًا صمت العواصم العربية، أو اكتفاؤها ببيانات تقليدية لا ترقى إلى حجم الحدث.

فماذا يعني هذا الصمت؟
هل هو تواطؤ؟ أم ضعف؟ أم حسابات معقّدة تفوق العواطف؟


🎙️ أولًا: المواقف الرسمية… كلمات فضفاضة بلا أثر

معظم الدول العربية اتخذت موقفًا خطابيًا تقليديًا، يطالب بالتهدئة و”ضبط النفس من جميع الأطراف”، دون إدانة واضحة لإسرائيل.

  • بعض الدول اكتفت بإصدار بيانات “قلق”، دون اتخاذ خطوات ملموسة مثل استدعاء السفراء أو تعليق الاتفاقيات.
  • دول أخرى، رغم علاقتها العلنية مع إسرائيل، لم تحرّك ساكنًا أمام الهجمات.

📌 النتيجة؟
غياب القيادة السياسية الموحدة، واختفاء الدور العربي الفاعل، حتى في قضايا يعتبرها الشارع “قضية الأمة الأولى”.


🧭 ثانيًا: لماذا الصمت؟ حسابات وراء الستار

الصمت العربي لا ينبع من فراغ، بل هو نتيجة تداخل معقّد لعوامل سياسية واستراتيجية:

🪖 1. التحالفات الأمنية مع الغرب

  • كثير من الأنظمة العربية تعتمد على الدعم الأميركي والغربي في ملفات أمنية أو اقتصادية.
  • انتقاد إسرائيل بحدة قد يُفهم كـ”تمرد” على الرؤية الأميركية للمنطقة.

💰 2. التطبيع وتوازنات ما بعد “اتفاقيات أبراهام”

  • دول عربية عدة دخلت في مسار تطبيع مع إسرائيل، وأصبحت تعتبر العلاقات الاقتصادية والأمنية معها “جزءًا من استقرارها الداخلي”.
  • الحديث عن دعم غزة قد يُربك هذا المسار أو يحرج الشركاء الدوليين.

🧨 3. الخوف من انتقال العدوى

  • دعم القضية الفلسطينية بشكل صريح قد يُلهب الشارع الداخلي ويعيد شعارات “التحرير والمقاومة” إلى الواجهة، وهو ما تخشاه الأنظمة القلقة من الاحتجاجات.

🧱 ثالثًا: أين الجامعة العربية؟

الجامعة العربية، المفترض أن تكون المظلة السياسية المشتركة، بدت غائبة كليًا:

  • لم تستطع عقد قمة طارئة فاعلة في بداية الحرب.
  • اقتصرت بياناتها على عبارات معتادة، دون قرارات قابلة للتنفيذ.
  • لم تظهر أي مبادرة عربية جادة للوساطة أو الحماية الدولية للفلسطينيين.

🔴 المفارقة: تحركات دولية من أمريكا اللاتينية أو إفريقيا كانت أجرأ من مواقف عواصم عربية.


🔥 رابعًا: الشارع العربي… بركان يغلي بصمت

رغم القمع والمراقبة، خرجت احتجاجات في مدن عربية كبرى (عمان، تونس، الرباط، بغداد، صنعاء)، تندّد بالقصف وتطالب بمواقف أكثر شجاعة.

لكن:

  • التغطية الإعلامية الرسمية كانت باهتة أو مغيّبة.
  • لم يُسمح بتنظيم مظاهرات واسعة في كثير من العواصم.

📢 رغم ذلك، تشهد مواقع التواصل زخمًا هائلًا من الدعم لغزة، مما يعكس فجوة متزايدة بين الشارع والأنظمة.


🧩 خامسًا: هل الصمت خيار استراتيجي أم فقدان بوصلة؟

من الصعب تفسير الصمت العربي على أنه مجرد “حذر”، إذ يُظهر حجم الشرخ بين الشعوب والسلطات، كما يُبرِز تراجع القضية الفلسطينية كأولوية رسمية.

لكن:

  • الصمت لم يُنتج استقرارًا.
  • ولم يمنع اتساع رقعة الصراع.
  • ولم يُرضِ الشارع، بل زاد من احتقانه.

🚨 الخطر الحقيقي هو أن يتحوّل هذا الصمت إلى قبول ضمني بتفتيت القضية الفلسطينية، وتحويل المأساة إلى مشهد اعتيادي.


⚖️ خاتمة: ما معنى أن تصمت أمة؟

الصمت العربي تجاه غزة لا يعكس فقط موقفًا سياسيًا، بل يكشف تحوّلًا استراتيجيًا في أولويات المنطقة.
في عالم تتحرك فيه قوى الجنوب العالمي، وتُعيد صياغة مواقفها، يقف العالم العربي عاجزًا، صامتًا، يراقب دون أن يصنع فرقًا.

لكن الأهم، أن هذا الصمت لن يصمد طويلًا أمام وعي الشارع المتنامي، وذاكرة الأمة التي لا تنسى.

Show Comments (0) Hide Comments (0)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
المقالات الأخيرة: