التغير المناخي والسياسة: من يقود المعركة؟

لم يعد التغير المناخي مجرد مسألة علمية أو تقنية.
لقد تحوّل إلى قضية سياسية بامتياز، تحدد مستقبل العالم، وتعيد تشكيل معادلات القوة والعدالة الدولية.

لكن وسط المؤتمرات المناخية، والوعود بالتخفيض، والخطط الخضراء…
يبقى السؤال الحاسم: من يقود هذه المعركة فعليًا؟
ومن يملك الإرادة… لا الخطاب فقط؟

أولًا: الدول الصناعية الكبرى… بين المسؤولية والمناورة

الولايات المتحدة، الصين، الاتحاد الأوروبي، روسيا – هذه الكتلة مسؤولة عن أكثر من 60% من الانبعاثات الكربونية منذ الثورة الصناعية.

  • واشنطن تقود خطابًا مناخيًا طموحًا، لكن تواجه ضغوطًا داخلية من شركات النفط وجماعات الضغط.
  • الصين تتعهد بالوصول إلى “ذروة الانبعاثات” قبل 2030، لكنها تبني محطات فحم جديدة كل عام.
  • الاتحاد الأوروبي يُعدّ الأكثر تقدمًا في التحول الطاقوي، لكنه يعتمد جزئيًا على استيراد “الانبعاثات” من الخارج.
  • الهند ترفض تقليص النمو باسم المناخ، وتطالب بـ”عدالة مناخية” تأخذ في الاعتبار التاريخ الاستعماري والانبعاثات التاريخية.

🎯 النتيجة: خطاب مناخي عالمي… لكن بلا زعامة واضحة.

ثانيًا: الأمم المتحدة… تنسّق لكنها لا تُلزم

منذ مؤتمر ريو (1992) ثم كيوتو (1997) فباريس (2015) ووصولًا إلى كوب 28 في الإمارات (2023)،
تقود الأمم المتحدة منصات الحوار المناخي.

لكنها لا تملك سلطة تنفيذية، وتبقى رهينة إرادة الدول:

  • اتفاق باريس يعتمد على “التزامات طوعية” لا عقوبات فيها.
  • مؤتمرات المناخ غالبًا ما تنتهي بـبيانات نهائية غامضة أو مؤجلة.
  • الدول الغنية تتردد في تمويل التحول الأخضر في الدول الفقيرة.

📌 بعبارة أخرى: الأمم المتحدة تضع المسرح… لكن الممثلين لا يلتزمون بالنص.

ثالثًا: جنوب العالم… يدفع الثمن دون أن يملك القرار

الدول الإفريقية، جزر المحيط، دول جنوب شرق آسيا…
هذه الدول لا تسهم إلا بنسبة ضئيلة في الانبعاثات، لكنها:

  • تتعرض لفيضانات مدمرة، وجفاف طويل، وحرائق مهلكة.
  • تواجه كلفة التحول الطاقوي دون امتلاك الموارد أو التقنية.
  • تُهمّش في مفاوضات المناخ، رغم كونها الضحية الأولى.

لهذا، يرفع الجنوب العالمي صوته اليوم مطالبًا بـ:

  • نقل التكنولوجيا الخضراء.
  • تمويل عادل للمشروعات المناخية.
  • تمثيل أوسع في إدارة ملفات التحول الطاقوي.

رابعًا: القطاع الخاص… بين الربح والالتزام

شركات الطاقة، البنوك الكبرى، الصناعات الثقيلة…
هذه الأطراف أصبحت لاعبًا رئيسيًا في المعركة المناخية:

  • بعضها يتبنّى “استراتيجيات خضراء” لدواعٍ تجارية أو ضغط استثماري.
  • بعضها الآخر يمارس “الغسل الأخضر” (Greenwashing): يرفع شعارات بيئية دون تغيير فعلي.
  • منصات الاستثمار تُقيّم اليوم الشركات بناءً على مؤشراتها البيئية (ESG).

لكن دون إطار دولي صارم، يبقى القطاع الخاص متقلبًا:
يسبق السياسة أحيانًا، ويعطلها أحيانًا أخرى.

خامسًا: الشباب والحركات البيئية… القيادة الأخلاقية

رغم قلة الموارد أو السلطة، تقود الحركات الشبابية والبيئية زخمًا عالميًا غير مسبوق:

  • من “جمعة من أجل المستقبل” إلى مظاهرات كوبنهاغن وغلاسكو.
  • مطالب واضحة: خفض الانبعاثات، العدالة المناخية، ووقف دعم الوقود الأحفوري.
  • رموز مثل غريتا تونبرغ أصبحت صوتًا يُحرج القادة السياسيين.

لكن يبقى التحدي: كيف تتحوّل هذه القيادة الأخلاقية إلى تأثير سياسي حقيقي؟

خاتمة: قيادة بلا زعامة واضحة

في معركة التغير المناخي، لا يوجد زعيم واحد، ولا خطة موحّدة.
العالم يسير بأطراف غير متساوية، وبسرعات مختلفة، وسط خطر مشترك يتسارع.

والسؤال الأصعب ليس “من يقود؟”، بل:
هل يمكن أن نربح هذه المعركة… دون قيادة حقيقية جماعية؟

Show Comments (0) Hide Comments (0)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
المقالات الأخيرة: