كيف تستخدم الصين الاقتصاد كسلاح؟

حين صعدت الصين إلى مصاف القوى الكبرى، لم يكن ذلك فقط عبر النمو الاقتصادي المتسارع، بل من خلال تحويل الاقتصاد إلى أداة استراتيجية.

فبخلاف النموذج الغربي القائم على القوة العسكرية والتحالفات الأمنية، اعتمدت بكين على التوغل الاقتصادي لفرض الحضور، والتأثير، وأحيانًا الابتزاز.

فهل نحن أمام “سلاح اقتصادي صيني” حقيقي؟ وما هي أدواته، ومجالاته، وحدوده؟

أولًا: النفوذ عبر “مبادرة الحزام والطريق”

ربما تكون “مبادرة الحزام والطريق” أبرز تعبير عن استخدام الاقتصاد كسلاح تأثير.

  • أطلقتها الصين عام 2013، وتهدف إلى ربط آسيا، إفريقيا، وأوروبا بشبكات نقل وتجارية تمولها بكين.
  • قامت بتمويل الموانئ، الطرق، السكك الحديدية، المطارات في أكثر من 60 دولة.
  • تُقرض الدول الفقيرة بمبالغ ضخمة، غالبًا دون شروط سياسية، لكنها تخلق اعتمادًا ماليًا طويل الأمد.

🔎 أين تكمن الأداة؟
حين تتعثر الدول في السداد، تضطر إلى تقديم تنازلات:
مثلما حصل مع ميناء هامبانتوتا في سريلانكا، الذي آلت ملكيته لبكين لـ99 عامًا بسبب العجز عن سداد الديون.

ثانيًا: تقييد الصادرات والواردات كورقة ضغط

حين يختلف بلدٌ ما سياسيًا مع بكين، فإن الرد الصيني لا يأتي بصاروخ، بل بحظر صادرات أو واردات:

  • فرضت الصين حظرًا غير رسمي على واردات الفحم والنبيذ من أستراليا في 2020 بعد مطالبتها بتحقيق مستقل حول منشأ فيروس كورونا.
  • جمدت استيراد الموز من الفلبين خلال أزمة بحر الصين الجنوبي.
  • قللت من استيراد رقائق تايوانية، ومنعت تصدير بعض المعادن النادرة لليابان وكوريا.

🎯 الهدف؟ معاقبة الدولة اقتصاديًا حتى تُغيّر سلوكها السياسي، دون الدخول في مواجهة مباشرة.

ثالثًا: التغلغل في البنى التحتية الحساسة

الصين لا تكتفي بتجارة السلع، بل تسعى إلى النفوذ عبر الشركات التكنولوجية:

  • هواوي: حاولت إقامة شبكات الجيل الخامس في أوروبا وأفريقيا، ما أثار مخاوف تجسس.
  • شركات الموانئ: مثل “COSCO” التي أصبحت مشغّلًا رئيسيًا لموانئ البحر المتوسط واليونان.
  • الاستثمار في المناجم وشبكات الكهرباء في إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

🎯 النتيجة: بنى تحتية حساسة بيد الصين، ما يمنحها رافعة استراتيجية يمكن استخدامها سياسيًا.


رابعًا: استخدام السوق الصينية كسلاح ترغيب

في المقابل، تعرف بكين كيف تُغري الدول:

  • السوق الصينية الضخمة تُقدَّم كحافز: من يريد الوصول إليها، عليه عدم إغضاب بكين.
  • شركات كبرى تتجنب الحديث عن تايوان أو الإيغور خوفًا من المقاطعة الصينية.
  • دول آسيوية وإفريقية تُجنِّب نفسها انتقاد الصين لتحافظ على صفقاتها ومساعداتها.

هكذا، يُصبح الصمت السياسي “ثمن الدخول للسوق”، ما يعمق نفوذ الصين الناعم.

خامسًا: أدوات رقمية ومالية جديدة

الصين تتجه الآن نحو:

  • اليوان الرقمي: لتقليل الاعتماد على الدولار وخلق نظام دفع مستقل.
  • شبكات دفع مثل UnionPay وAlipay بدلًا من Visa وMastercard.
  • دعم مبادرات جنوب-جنوب لتقوية نفوذها المالي في مواجهة النظام الغربي.

وفي ظل العقوبات الغربية، تسعى الصين إلى بناء نظام مالي عالمي موازٍ يجعلها أقل عرضة للضغوط… ويزيد من قدرتها على الضغط بالمقابل.

خاتمة: السلاح الصيني لا يُدوّي… لكنه يُوجِع

القوة الصينية ليست صاخبة، لكنها فعّالة.
فهي لا تعتمد على الغزو، بل على الاعتماد المتبادل المصمَّم بعناية.

إنها تبني علاقة حيث تصبح الدول الأخرى بحاجة للصين أكثر مما هي بحاجة إليها،
وفي لحظة الخلاف، تُفعَّل أدوات العقاب الاقتصادي بلا طلقة واحدة.

ويبقى السؤال:
هل سيتحوّل هذا السلاح الاقتصادي الصيني إلى نموذج عالمي جديد؟
أم يواجه محدوديته أمام الخوف المتزايد من التغلغل والاستبداد الاقتصادي؟

Show Comments (0) Hide Comments (0)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
المقالات الأخيرة: