هل فقد الدولار هيمنته العالمية؟

كلما اهتزّ الاقتصاد العالمي، أو ارتفعت ديون أمريكا، أو تعثّر النظام المالي العالمي، يُعاد طرح السؤال: هل اقترب الدولار من فقدان هيمنته؟
وهل نشهد نهاية “العملة العالمية الوحيدة”؟

لكن لفهم هذا السؤال، علينا أولًا إدراك معنى “هيمنة الدولار“، وأسباب ترسّخها، ثم تتبّع ملامح التحدي الجديدة، في عالم تتغير فيه موازين القوى والنماذج الاقتصادية.

أولًا: ما معنى أن يكون الدولار “مهيمنًا”؟

هيمنة الدولار لا تعني فقط أنه عملة أمريكية، بل:

  • أكثر من 80% من التجارة العالمية تُسعّر به (النفط، المعادن، السلع).
  • أكثر من 50% من احتياطات البنوك المركزية في العالم بالدولار.
  • يُستخدم في تسويات الصفقات، حتى بين دول لا علاقة لها بأمريكا.
  • يُعدّ ملاذًا آمنًا في الأزمات، مثل جائحة كورونا أو حرب أوكرانيا.

هذا الوضع يمنح واشنطن امتيازًا نادرًا:
أن تطبع ما يحتاجه العالم، دون أن تواجه فورًا آثار تضخمية كارثية.

ثانيًا: هل هناك مؤشرات على التراجع؟

نعم، خلال السنوات الأخيرة ظهرت بعض المؤشرات:

  1. تراجع في نسبة الدولار ضمن احتياطات البنوك المركزية – من نحو 70% في بداية الألفية إلى أقل من 59% بحلول 2024.
  2. تصاعد استخدام العملات البديلة في التجارة الثنائية (مثال: اليوان في صفقات الصين – روسيا، أو الروبل مع إيران).
  3. ظهور شبكات دفع بديلة مثل نظام “CIPS” الصيني كبديل لـ”سويفت”.
  4. زيادة الدعوات إلى “نزع الدولرة” في أمريكا اللاتينية، إفريقيا، وجنوب آسيا.

لكن رغم ذلك، لم تظهر عملة واحدة قادرة على أن تحلّ محل الدولار بالكامل.

ثالثًا: مَن ينافس الدولار فعليًا؟

1. اليوان الصيني:

الصين تحاول بجدية، عبر:

  • توقيع اتفاقيات تبادل عملات (swap) مع عشرات الدول.
  • مطالبة شركائها باستخدام اليوان في التجارة.
  • دعم نظام دفع مستقل عن الغرب.

لكن… لا تزال أسواق الصين مغلقة، ولا توجد ثقة كافية بسياساتها النقدية، ما يحد من جاذبية اليوان عالميًا.

2. اليورو:

عملة قوية، لكنها محصورة في الكتلة الأوروبية، وتعاني من هشاشة سياسية داخل الاتحاد.

3. الذهب والعملات المشفرة؟

الذهب يعود كخزان للقيمة وليس كوسيلة تبادل يومي.
أما العملات المشفرة، فلا تزال محدودة بسبب التقلبات الشديدة والرقابة.

رابعًا: هل فقد الدولار “الهيمنة” فعلاً؟

الجواب المعقّد هو: ليس بعد، لكنه بدأ يخسر احتكارَه البطيء.

  • لم تُستبدل به عملة واحدة، لكن هناك تفكك تدريجي للهيمنة.
  • يظل الدولار قويًا ومهيمنًا، لكن ضمن نظام عالمي متعدد العملات.
  • تتوسع فكرة “الاستغناء النسبي عن الدولار” في جنوب العالم أكثر من أوروبا.

التحول سيكون تدريجيًا، طويل الأمد، وتفرضه التحولات الجيوسياسية أكثر من مجرد قرارات اقتصادية.

خامسًا: إلى أين يتجه المستقبل؟

من المرجّح أن تتجه الأمور نحو نموذج تعددي للعملات:

  • الدولار يحتفظ بمكانته الأساسية.
  • لكن إلى جانبه: اليوان، اليورو، وحتى الروبل والريال.
  • كل كتلة اقتصادية تبحث عن أدوات سيادية في التجارة والدفع.

وفي حال تصاعد الصراع الجيوسياسي (مثلًا بين واشنطن وبكين)، قد نشهد انقسامًا اقتصاديًا واضحًا:
نظام مالي غربي تقوده أمريكا، وآخر أوراسي أو جنوبي بديل عنه.

خاتمة: الدولار لن ينهار… لكنه لن يبقى وحده

هيمنة الدولار ليست قدرًا أبديًا، لكنها أيضًا ليست سهلة الانهيار.
ما نشهده اليوم ليس “سقوط الدولار”، بل انتقال بطيء نحو عالم متعدد الأقطاب ماليًا.

وكلما زادت هشاشة الداخل الأمريكي، وتنامت البدائل العالمية، اقتربنا من لحظة يصبح فيها الدولار… أحد الخيارات، لا الخيار الوحيد.

Show Comments (0) Hide Comments (0)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
المقالات الأخيرة: