ليست كل الحروب سواء، ولا كل الثورات، ولا كل اللحظات المفصلية.
ما تتذكره الشعوب ليس فقط ما جرى، بل ما بقي في الوجدان…
ما تحوّل إلى قصة، وصار يُروى، ويتكرر، ويُشكّل صورة الجماعة عن نفسها وماضيها وموقعها في التاريخ.
وهنا نتساءل:
هل تتذكر الشعوب حقائق؟ أم سرديات؟
وكيف تتكوّن “الذاكرة السياسية الجمعية”، تلك التي تُملي على الناس مَن هو العدو، وما هي الخسارة، وما الذي يستحق النضال من أجله؟
أولًا: الذاكرة الجمعية ليست محايدة
الذاكرة السياسية الجمعية لا تتشكّل عفويًا ولا بشكل بريء.
إنها عملية اجتماعية مركبة، تُعاد صياغتها على مرّ الزمن، من خلال:
- التعليم الرسمي (المناهج والتاريخ المقرَّر)
- الإعلام (كيف يُروى الماضي)
- الرموز والطقوس (الأعياد الوطنية، نصب الشهداء، الأغاني الجماعية)
- المحن الكبرى والانتصارات الحاسمة (نكبة، استقلال، ثورة…)
النتيجة؟
ليست الذاكرة ما حدث فعليًا، بل ما تقرّر أن “يُقال إنه حدث”، بلغة مشتركة يُؤمن بها أغلب الناس.
ثانيًا: من يكتب التاريخ… يوجّه الذاكرة
عندما يُقال إن “التاريخ يكتبه المنتصرون”، فهذا ينطبق أكثر على الذاكرة السياسية.
- الدولة تسعى دائمًا لخلق سردية تشرعن وجودها: “نحن امتداد للثوار، أو لمجد الأمة”.
- المعارضة تسعى لهدم هذه الرواية وبناء أخرى بديلة: “نحن مقاومة ضد القهر”.
- النُخب الأكاديمية والإعلامية تُعيد أحيانًا كتابة التاريخ وفق تغيّر المزاج السياسي أو ضرورات الهوية.
هكذا، تُصبح الذاكرة ساحة صراع رمزي لا يقل ضراوة عن الصراعات الواقعية.
ثالثًا: من الألم الجماعي إلى الأسطورة السياسية
بعض الذكريات تتحول إلى ما يشبه الأسطورة الجماعية:
- الهولوكوست في الوعي اليهودي – أصبحت محورًا للهوية السياسية والثقافية لدولة إسرائيل.
- نكبة 1948 في الوعي الفلسطيني – ليست فقط حدثًا، بل لحظة تأسيسية للهوية والشتات والمقاومة.
- الاستعمار الفرنسي في الجزائر – تحول إلى ذاكرة وطنية مقدسة، تصوغ موقف الدولة من فرنسا حتى اليوم.
هذه الذكريات الكبرى تُبنى في طبقات من:
- الألم والمعاناة
- الشهداء والبطولات
- الغدر أو الخيانة
- الأمل المتجدد
وتصبح أساسًا لاتجاهات الرأي العام، وردود الفعل تجاه قضايا الحاضر.
رابعًا: دور الأدب والفن في ترسيخ الذاكرة
ليست الكتب التاريخية وحدها من يُشكّل الوعي السياسي، بل:
- الأفلام التي تخلّد معارك.
- الروايات التي تروي ألم المعتقلات أو المنفى.
- الأغاني التي تُردّد في المناسبات الوطنية.
- المسلسلات التي تُعيد تمثيل الثورات أو النكبات.
كلها تُسهم في تثبيت صور معينة في خيال الجماعة، وقد تطغى أحيانًا على الحقائق التاريخية الدقيقة.
خامسًا: الذاكرة الجمعية… وحدات متصارعة لا وحدة واحدة
حتى داخل الأمة الواحدة، توجد ذاكرات متنافسة:
- ذاكرة السلطة vs ذاكرة المعارضة
- ذاكرة المدينة vs ذاكرة الريف
- ذاكرة الأكثرية vs ذاكرة الأقليات
وقد يؤدّي هذا التباين إلى تصدّع في التصوّر الجمعي للماضي، وبالتالي، صراعات على المستقبل.
خاتمة: الذاكرة السياسية… مستقبل يُصاغ من الماضي
الذاكرة السياسية ليست أرشيفًا للتاريخ، بل بوصلتنا نحو ما نؤمن أنه “الحق” أو “الخطر” أو “الواجب”.
ومن يسيطر على هذه الذاكرة، يستطيع أن يحدد طبيعة الصراع، وأولويات الأجيال، بل وشرعية النظام أو الثورة.
لذلك، يبقى السؤال مفتوحًا دائمًا:
هل نمتلك ذاكرة حرة؟ أم نعيش داخل روايات صُنعت لنا؟
وهل نستطيع الموازنة بين احترام الألم الجماعي، والسعي نحو سردية أكثر شمولًا وعدلًا؟