مواقع التواصل: بين الحرية والتوجيه السياسي

حين انطلقت موجة مواقع التواصل الاجتماعي مطلع الألفية، بدت كأنها تحقق حلمًا طال انتظاره:
حرية التعبير، كسر احتكار الإعلام التقليدي، وتمكين الفرد من أن يصبح “صوتًا عالميًا”.

لكن، وبعد عقدين من الاستخدام الكثيف، بدأت هذه المنصات تظهر وجهًا آخر، أكثر تعقيدًا:
منصات تقود الرأي العام، تصنف المحتوى، وتُستخدم، في بعض السياقات، كأداة سياسية لا كفضاء حر.

فهل ما نعيشه هو حرية رقمية حقيقية؟ أم توجيه مقنّع عبر الخوارزميات والقوانين؟

أولًا: منبر مفتوح أم أداة رقابة جديدة؟

عندما احتشد ملايين المستخدمين في “فيسبوك”، و”تويتر” (إكس حاليًا)، و”يوتيوب”، كان الانطباع السائد هو التحرر من النمطية والتوجيه الرسمي.

لكن سرعان ما بدأ يتكشف واقع جديد:

  • المحتوى لا يصل بالتساوي، بل تحكمه خوارزميات تُفضل الإثارة على العمق.
  • الحسابات تُعلّق أحيانًا لأسباب غامضة أو سياسية.
  • بعض المواضيع تُرفع في الترند، وأخرى تُدفن في زوايا المنصة.

النتيجة؟
حرية التعبير لم تُمنع صراحة، لكنها أصبحت مشروطة ومصفّاة مسبقًا.

ثانيًا: حين تتحول الخوارزميات إلى محررين سياسيين

بعيدًا عن الرقابة التقليدية، ظهر شكل جديد من التحكم، أقل وضوحًا وأكثر تأثيرًا: التحكم بالخوارزميات.

فالمنصات لم تعد “حيادية”، بل:

  • تُروّج لمحتويات بناءً على توجهاتها التجارية أو السياسية.
  • تُخفي منشورات تتعارض مع سياساتها أو مع شركائها الإعلاميين.
  • تتيح لحكومات معينة الوصول إلى بيانات أو التحكم في المحتوى بدعوى “محاربة التضليل”.

هكذا، أصبح من غير الممكن أن نفصل بين “تقنية البرمجة” و”موقف المنصة”.

ثالثًا: بين التأثير السياسي والتضليل

مع مرور الوقت، أدرك الفاعلون السياسيون أن السيطرة على الخطاب العام لم تعد حكرًا على الصحف أو التلفزيون، بل تمر عبر:

  • حملات منسقة على مواقع التواصل.
  • استهداف المستخدمين عبر الإعلانات الدقيقة (microtargeting).
  • خلق حسابات وهمية أو مؤثرة تُروج لخطاب معين.

أمثلة عديدة تؤكد ذلك، من التدخلات الروسية في الانتخابات الأمريكية، إلى الحملات الممنهجة في صراعات الشرق الأوسط.

رابعًا: منصات في مرمى الاستقطاب العالمي

مع تصاعد التوتر بين القوى الكبرى، لم تسلم مواقع التواصل من التحول إلى أدوات في صراع الجبهات:

  • أمريكا تقيد “تيك توك” بدعوى الأمن القومي.
  • الصين تفرض قيودًا صارمة على استخدام “فيسبوك” و”إكس”.
  • الاتحاد الأوروبي يضغط لتشريع قوانين تُجبر الشركات على إزالة “المحتوى الضار” بسرعة.

وهكذا، يتحول الإنترنت من “قرية عالمية مفتوحة” إلى فسيفساء سياسات محلية متضاربة.

خامسًا: هل ما زالت هناك مساحة للحرية الرقمية؟

رغم كل ذلك، لا تزال مواقع التواصل توفر فرصة نادرة للأصوات المهمشة، والمجتمعات غير الممثلة إعلاميًا، للتعبير عن نفسها.

لكن السؤال بات:
هل يستطيع المستخدم أن يكون حرًا في فضاء تُصممه شركة، وتُديره خوارزمية، وتخضعه ضغوطات الحكومات والمعلنين؟

ربما يكون الحل في:

  • تعزيز وعي المستخدم بحقه في المعرفة والمساءلة.
  • دعم البدائل اللامركزية (كمنصات المصادر المفتوحة).
  • المطالبة بشفافية الخوارزميات وحيادية المنصات.

خاتمة: حرية التعبير بين الواقع والمحتوى المراقَب

الحرية الرقمية اليوم ليست قضية تقنية فقط، بل معركة قيم.
فمواقع التواصل لم تعد مجرد أدوات، بل فضاءات سياسية حقيقية تتداخل فيها المصالح والتوجهات.

ويبقى السؤال مفتوحًا:
كيف نحمي حقنا في التعبير، دون أن نقع في فخ التضليل أو التوجيه؟
وكيف نصنع فضاءً حرًّا لا يتحكم فيه سوى ضمير الجمهور؟

Show Comments (0) Hide Comments (0)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
المقالات الأخيرة: