الصين في الخليج: شريك أم منافس لأمريكا؟

لم تعد منطقة الخليج مجرد فضاء نفطي تحت المظلة الأمريكية، بل تحوّلت في العقد الأخير إلى ساحة تنافس مفتوحة بين القوى الكبرى، وعلى رأسها الصين.
ومع أن واشنطن ظلت لعقود الشريك الأمني الأول لدول الخليج، فإن بكين تقترب بثبات – لا عبر حاملات الطائرات، بل عبر الصفقات، والبنية التحتية، والتكنولوجيا، وحتى الوساطة الدبلوماسية.

فهل تمثّل الصين شريكًا استراتيجيًا جديدًا للخليج؟ أم منافسًا جادًا للنفوذ الأمريكي في المنطقة؟
وهل تنجح دول الخليج في الموازنة بين القوتين دون دفع أثمان جيوسياسية باهظة؟

أولًا: صعود الصين كقوة اقتصادية في الخليج

خلال العقدين الماضيين، تطورت العلاقات الخليجية–الصينية بشكل متسارع، ويكفي النظر إلى الأرقام:

  • أصبحت الصين الشريك التجاري الأول لدول الخليج مجتمعة.
  • ووقّعت اتفاقيات استراتيجية طويلة الأمد مع كل من السعودية، الإمارات، وقطر.
  • وتزايدت استثمارات الصين في مشاريع البنية التحتية، والموانئ، والطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي.

في 2022، استضافت الرياض قمة خليجية–صينية اعتُبرت نقطة تحول. لم تقتصر على الاقتصاد فقط، بل حملت رسائل سياسية غير مباشرة لواشنطن، مفادها أن الخليج لم يعد حكرًا على أحد.

ثانيًا: وساطة بكين بين الخصوم – إيران والسعودية نموذجًا

حين رعت الصين في مارس 2023 اتفاق المصالحة بين الرياض وطهران، كانت تلك لحظة فارقة.
فالصين، لأول مرة، تتدخل في ملف سياسي/أمني عالي الحساسية في الشرق الأوسط، وتنجح فيه.

هذا الاختراق أثبت ما يلي:

  • أن للصين ثقةً متزايدة في الخليج وإيران معًا.
  • أن غياب المبادرة الأمريكية في ملفات كهذه يفتح المجال لقوى أخرى.
  • أن بكين لا تمانع بلعب دور سياسي، لا اقتصادي فقط.

لكن السؤال: هل هذا توجه دائم، أم مجرد “خطوة محسوبة”؟

ثالثًا: أمريكا تنظر بقلق… لكنها لا تملك بديلاً سهلاً

واشنطن تراقب التمدد الصيني في الخليج بقلق واضح، لا سيما في:

  • تكنولوجيا الاتصالات (هواوي): حيث عبّرت واشنطن عن استيائها من تعاون بعض دول الخليج مع الشركة الصينية.
  • الموانئ والبنية التحتية: إذ تخشى من استخدام الصين للموانئ في البحر الأحمر والخليج لأغراض استخباراتية أو استراتيجية.
  • الحياد الخليجي تجاه صراعات واشنطن: كما حدث في الحرب الأوكرانية، حين امتنعت بعض العواصم الخليجية عن تبني الموقف الأمريكي بالكامل.

لكن المشكلة الأكبر أمام واشنطن أن دول الخليج باتت أكثر استقلالية وأقل استعدادًا للخضوع للضغط.
وبالتالي، فإن “إما معنا أو ضدنا” لم تعد سياسة فعّالة.

رابعًا: هل الخليج يستبدل واشنطن ببكين؟ أم يوازن بينهما؟

رغم تنامي النفوذ الصيني، لا تزال أمريكا تحتفظ بعناصر تفوق كبرى:

  • مظلة الحماية الأمنية والعسكرية.
  • شبكات الدفاع والتسليح المتقدمة.
  • علاقات استخباراتية عميقة مع أنظمة الخليج.

لذلك، لا يبدو أن دول الخليج تسعى لاستبدال أمريكا، بل تسعى إلى:

“تنويع الشركاء دون خسارة الضامن الأساسي”.

فالتقارب مع بكين يمنح الخليج:

  • أدوات تفاوض أقوى أمام واشنطن.
  • فرصًا اقتصادية متقدمة بلا شروط سياسية مباشرة.
  • دورًا مستقلًا في عالم متعدد الأقطاب.

لكن هذه الاستراتيجية محفوفة بمخاطر، أهمها:

  • احتمال تعرض الخليج لضغوط أمريكية علنية أو سرية.
  • تصاعد التوتر في حال اندلاع نزاع مباشر بين الصين وأمريكا (تايوان مثلًا).
  • تداخل ملفات الأمن بالتكنولوجيا، ما يجعل الموازنة صعبة.

خامسًا: المستقبل – الخليج بين قطبين متنافسين

العاملالموقف الأمريكيالموقف الصينيموقف الخليج
التجارةشريك تقليدي، لكن محدود النموأكبر شريك تجاري حالياًانفتاح على الصين مع الحفاظ على واشنطن
الأمنمظلة شاملة (قواعد، دفاع، استخبارات)غائب نسبيًا عن المجال الأمنياستمرار الاعتماد على أمريكا
التكنولوجياحذر من تغلغل الصين (هواوي، بيانات)حضور متصاعدمحاولة الموازنة بين الابتكار والضغوط
السياسةضغوط بشأن حقوق الإنسان والتطبيعحياد وعدم تدخل داخليتفضيل النموذج الصيني في بعض الأحيان

خاتمة

الصين ليست مجرد شريك اقتصادي في الخليج، بل لاعب يسعى لتوسيع نفوذه بهدوء وذكاء.
أما أمريكا، فليست بصدد الخروج من المشهد، لكنها تواجه منافسًا لا يشبه خصومها التقليديين.

المنطقة اليوم تتحرك في هندسة دقيقة بين القوتين، وعلى دول الخليج أن توازن بحكمة، وأن تدرك أن الرهان على قطب واحد لم يعد ممكنًا… ولا آمنًا.

Show Comments (0) Hide Comments (0)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
المقالات الأخيرة: