عُرف دونالد ترامب خلال ولايته الأولى (2017–2021) بأسلوبه المختلف في إدارة السياسة الخارجية، لا سيما تجاه الشرق الأوسط، حيث قلب بعض الأعراف الدبلوماسية رأسًا على عقب، واختصر العلاقات الدولية بمنطق “الصفقة”. حين غادر البيت الأبيض عام 2021، بدا أن فترة رئاسته ستبقى استثناءً. لكن عودته المفاجئة إلى الحكم في يناير 2025، في ظل مناخ إقليمي غير مسبوق بعد عملية “طوفان الأقصى” في أكتوبر 2023، دفعت إلى طرح سؤال أكثر إلحاحًا:
هل عودة ترامب تعني استئناف نهجه السابق، أم أن الواقع الإقليمي الجديد فرض عليه تعديل استراتيجيته؟
أولًا: عودة ترامب – الرجل نفسه، الشرق الأوسط تغيّر
رغم أن ترامب عاد إلى الحكم بنفس الخطاب الحاد والشعارات ذاتها، فإن الشرق الأوسط الذي يواجهه اليوم ليس هو نفسه كما كان في 2017.
فقد فرضت عملية “طوفان الأقصى” وما تلاها من حرب إسرائيلية مدمّرة على غزة، ومواجهات متعددة الجبهات (في لبنان، اليمن، العراق، وسوريا)، واقعًا جديدًا يتجاوز حدود التطبيع والسياسات التقليدية.
ولعلّ التحدي الأكبر أمام ترامب اليوم يتمثل في التعامل مع:
- تآكل صورة إسرائيل كقوة لا تُقهر بعد اختراق حماس النوعي في 7 أكتوبر 2023.
- تعاظم التورط الأمريكي العسكري غير المباشر في دعم إسرائيل، مقابل امتعاض شعبي عربي وغربي واسع.
- عودة إيران إلى موقع المواجهة الإقليمية المفتوحة بعد الضربة العسكرية الكبرى التي شنّتها إسرائيل على قنصليتها في دمشق، وردّها بهجوم مباشر على الأراضي الإسرائيلية.
إزاء هذه المعطيات، فإن عودة ترامب إلى سياسة “الضغوط القصوى” قد تبدو غير كافية، بل محفوفة بالمخاطر.
ثانيًا: إيران – من “الضغط الأقصى” إلى حافة المواجهة
في ولايته الأولى، اعتمد ترامب سياسة الخنق الاقتصادي والضربات النوعية ضد إيران، دون أن يصل إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
لكن في ولايته الثانية، يجد نفسه أمام إيران مختلفة:
- أكثر جرأة في الرد، كما أظهرت في هجومها الصاروخي المباشر على إسرائيل في أبريل 2024.
- تمتلك تحالفًا إقليميًا مقاتلًا عبر حلف “محور المقاومة”.
- تستثمر في نقمة شعبية إقليمية واسعة ضد واشنطن بعد حرب غزة.
تواجه إدارة ترامب 2025 تحديًا حادًا:
هل تستمر في سياسة الردع القصوى؟ أم تدخل في تفاوض اضطراري؟
حتى الآن، تشير المؤشرات إلى تصعيد لهجة ترامب ضد طهران، وربما إعادة فرض عقوبات أوسع على الحلفاء المتعاونين معها. لكن أي محاولة لمواجهة مفتوحة ستُدخل المنطقة في دوامة أكبر، مما يُرجّح أن يظل ترامب وفريقه ملتزمين بـ”إدارة الأزمة لا حلها”.
ثالثًا: إسرائيل – حليف مكلَّف في زمن الشكوك
ظلّ ترامب أبرز داعمي إسرائيل في التاريخ الأمريكي الحديث، وقد منحها خلال ولايته الأولى:
- القدس عاصمة معترف بها.
- الجولان تحت السيادة الإسرائيلية.
- تطبيعًا عربيًا موسعًا.
لكن بعد 7 أكتوبر 2023، تضررت صورة إسرائيل بشكل غير مسبوق، وبدأت أسئلة عميقة تُطرح في واشنطن نفسها:
- إلى متى ستدعم أمريكا إسرائيل بلا شروط؟
- هل ستظل “الحماية الأمريكية” غير مشروطة رغم الضحايا المدنيين في غزة؟
- هل تطبيع 2020 ما زال قائمًا؟ أم دخل مرحلة تجميد فعلي؟
ترامب لا يُخفي انحيازه الكامل لإسرائيل، لكن تكلفة هذا الانحياز ارتفعت سياسيًا وأخلاقيًا. ويبدو أن فريقه يراهن على:
- تمرير المزيد من الدعم العسكري لإسرائيل.
- الضغط على الدول العربية للعودة إلى مسار التطبيع ولو من باب “مواجهة إيران”.
- الرهان على تغيّر اهتمام الرأي العام الغربي مع الوقت.
لكن في السياق الحالي، هذه الرهانات محفوفة بالانكشاف السياسي، وقد تتحول إلى عبء داخلي على إدارته.
رابعًا: فلسطين – محاولة دفن جديدة بعد الفشل العسكري؟
رغم قساوة العدوان الإسرائيلي على غزة بعد 7 أكتوبر، خرجت القضية الفلسطينية من الهامش إلى المركز مجددًا.
عاد السؤال الفلسطيني بقوة في الشارع العربي والدولي، وأُحرجت الإدارة الأمريكية أمام مشاهد الدمار الكبير وعدد الشهداء.
ومع ذلك، فإن ترامب لا يزال:
- يرفض أي انتقاد صريح لإسرائيل.
- يهاجم حماس ويصنّفها كمنظمة إرهابية تهدد “الحضارة الغربية”.
- يتبنى مشروعًا اقتصاديًا مكررًا يعيد إنتاج “صفقة القرن” بنسخة أكثر تقشفًا.
لكن، هل يمكن تجاهل فلسطين مجددًا بعد مشهد غزة؟
من الصعب سياسيًا، لكن ترامب على الأرجح سيحاول التحايل عبر الحديث عن “تسويات محلية” و”تحسينات اقتصادية” بدل الاعتراف بالحقوق السياسية الجوهرية.
خامسًا: الخليج – الاستمرار في منطق “الحامي بأجر”
استمرارًا لنهجه في الولاية الأولى، لم يتعامل ترامب مع الخليج كحليف، بل كمصدر تمويل للسياسة الأمريكية.
واليوم، ومع تصاعد التهديدات في البحر الأحمر من الحوثيين، وهجمات متكررة على القواعد الأمريكية في العراق وسوريا، يعود منطق الصفقة الأمنية مجددًا:
- ندعمكم إذا دفعتم.
- نؤمن مرور النفط مقابل عقود واستثمارات.
- نبيع الحماية، لا نقدمها مجانًا.
لكن الخطر هنا أن حلفاء الخليج أنفسهم باتوا أكثر حذرًا، وقد يلجؤون إلى تنويع خياراتهم، خصوصًا مع انفتاح الصين وروسيا على المنطقة.
سادسًا: الخلاصة – ترامب 2025 ليس ترامب 2017، والمنطقة تغيّرت أكثر منه
| المحور | ولاية ترامب الأولى | بعد عودته 2025 | الملاحظات |
|---|---|---|---|
| إيران | ضغط اقتصادي وعزل | مواجهة قريبة ومباشرة | إيران أكثر عدوانية |
| إسرائيل | دعم بلا شروط | دعم مكلف سياسيًا | الرأي العام لم يعد محايدًا |
| فلسطين | صفقة القرن | نَفَس اقتصادي جديد | الواقع الشعبي تجاوز الطرح |
| الخليج | حماية مدفوعة | استمرار النهج | الحلفاء أقل ثقة |
| التطبيع | تقدّم غير مسبوق | تجميد شبه كلي | بسبب حرب غزة |
خاتمة
لا شك أن دونالد ترامب أعاد رسم السياسات الأمريكية تجاه الشرق الأوسط خلال ولايته الأولى، لكن عودته في 2025 حصلت في زمن مختلف ومعادلات إقليمية أكثر تقلبًا.
طوفان الأقصى لم يكن حدثًا عسكريًا فقط، بل لحظة كاشفة لأوهام “الاستقرار” و”التطبيع الشامل”.
وبينما يحاول ترامب استعادة لغة “الصفقات”، يبدو أن الشرق الأوسط الحالي لا يمكن شراؤه ولا إخضاعه بسهولة.
فالمنطقة دخلت عصرًا جديدًا من التحديات، يتطلب من واشنطن شيئًا أعمق من تغريدات أو صفقات: يتطلب رؤية حقيقية، أو الانسحاب بشرف.