لماذا تتكرر الانقلابات في الساحل الإفريقي؟

لم تعد الانقلابات في منطقة الساحل الإفريقي مجرد حالات معزولة، بل أصبحت ظاهرة سياسية متكررة تفرض نفسها على المشهد الإقليمي والدولي. منذ عام 2020، شهدت دول مثل مالي، بوركينا فاسو، والنيجر انقلابات متتالية، تُضاف إلى سجل طويل من الاضطرابات في تشاد، غينيا، والسودان.
لكن السؤال الأهم ليس من نفّذ؟ بل: لماذا تتكرر الانقلابات؟ ولماذا الآن؟

أولًا: هشاشة الدولة بعد الاستقلال

1. حدود مصطنعة وأنظمة وراثية للنفوذ

  • معظم دول الساحل وُلدت من رحم استعمار فرنسي مباشر، دون مؤسسات راسخة.
  • النخب الحاكمة بعد الاستقلال استنسخت نماذج السيطرة لا المشاركة، ما جعل الدولة هشة وقابلة للانهيار عند أي أزمة.

2. غياب المشروع الوطني

  • كثير من هذه الدول لا تزال تعاني من ضعف الهوية الوطنية أمام الهويات العرقية أو القبلية.
  • النخب لم تبنِ نموذجًا تنمويًا مشتركًا يربط المواطن بالدولة.

ثانيًا: الفشل المتكرر للأنظمة المنتخبة

1. فساد وضعف الإدارة

  • الديمقراطية الشكلية لم تكن كافية لحماية هذه الدول من الفساد المستشري، وسوء توزيع الثروة، والتبعية للمؤسسات الدولية.

2. العجز الأمني

  • لم تستطع الحكومات المنتخبة إيقاف تمدد الجماعات المسلحة، خصوصًا في شمال مالي وبوركينا فاسو.
  • هذا الفشل أعطى الذريعة الكاملة للجيوش للتدخل تحت عنوان: “إنقاذ الدولة”.

ثالثًا: الجيش.. لاعب سياسي لا ينسحب

1. المؤسسة الأقوى تنظيميًا

  • في معظم هذه الدول، الجيش هو المؤسسة الوحيدة المنظمة، مقارنة بأحزاب ضعيفة ومفككة.

2. شرعية سريعة ومؤقتة

  • الانقلابيون يقدّمون أنفسهم كـ”منقذين”، ويحصلون على قدر من الشعبية في البداية، خاصة عند تدهور الأوضاع الأمنية.

رابعًا: الدور الفرنسي.. نفوذ متآكل

1. تراجع الهيمنة الفرنسية

  • فرنسا كانت لعقود “الحاكم غير المعلن” لدول الساحل، عبر دعم أنظمة موالية وتدخلات عسكرية مثل “عملية برخان”.
  • لكنها باتت تُنظر إليها كجزء من الأزمة، لا كضامن للاستقرار.

2. تصاعد الخطاب المعادي لفرنسا

  • كثير من الانقلابيين يرفعون شعارات مناهضة لباريس لكسب دعم شعبي.
  • خروج القوات الفرنسية من مالي والنيجر أحد مؤشرات فقدان النفوذ.

خامسًا: لاعبون جدد.. روسيا و”فاغنر” في الصورة

روسيا تدخل عبر بوابة الأمن

  • بعد كل انقلاب، يبرز دور روسيا كشريك بديل، يُقدّم الدعم العسكري بلا شروط ديمقراطية.
  • مجموعة فاغنر لعبت أدوارًا في مالي وتستعد للتوسع أكثر.

استغلال الشعور المعادي للغرب

  • التحالف مع روسيا يُسوّق كاستقلال عن التبعية الغربية، لا كمجرد شراكة أمنية.

سادسًا: هل من أفق مختلف؟

1. غياب الحلول الجذرية

  • لا توجد بعد مشاريع بديلة لبناء دولة وطنية حقيقية تضمن التعدد والاستقرار.

2. الانقلابات تولّد بعضها

  • كل انقلاب ينجح، يشجع ضباطًا آخرين في دول مجاورة على التجريب نفسه.

3. خطر التحول إلى “حزام انقلابي”

  • هناك مؤشرات على احتمال تمدد الظاهرة نحو دول مجاورة مثل السنغال أو الكاميرون، إن لم تتغير المعادلة جذريًا.

خاتمة

الانقلابات في الساحل ليست مجرد طموحات ضباط عسكريين، بل نتيجة تراكمات سياسية، اقتصادية، وثقافية، تداخلت فيها هشاشة الدولة مع فشل الديمقراطية المستوردة وتراجع الرعاية الغربية.
ما لم تُبنَ دول بمؤسسات حقيقية ومشروع وطني شامل، سيبقى الساحل رهينة دورة الانهيار والانقلاب، يتغيّر اللاعبون، لكن القواعد لا تتغير.

Show Comments (0) Hide Comments (0)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
المقالات الأخيرة: