لم يكن التصعيد الأخير بين إيران وإسرائيل مجرد تبادل ضربات عسكرية، بل حلقة ضمن سلسلة طويلة من التوترات العميقة التي تحمل في طياتها أكثر من مجرد رد فعل مباشر. ما يبدو على السطح كصراع بين خصمين تقليديين، يخفي خلفه حسابات داخلية معقّدة وأوراقًا إقليمية ودولية يُعاد ترتيبها بعناية.
أولًا: التصعيد.. ماذا حدث؟
شهدت الأشهر الأخيرة تصاعدًا غير مسبوق في حدة المواجهات بين الطرفين، بدءًا من الهجمات بالطائرات المسيّرة، مرورًا بضربات دقيقة في العمق السوري، وانتهاءً بقصف مباشر متبادل على أراضٍ تعتبر حساسة للطرفين. كان التصعيد استثنائيًا ليس فقط في توقيته، بل في رمزيته: لأول مرة منذ سنوات، تقرّ إيران علنًا بمشاركتها المباشرة، وتردّ إسرائيل بشكل غير مألوف على أراضي غير سورية.
ثانيًا: إيران.. لماذا الآن؟
1. الضغط الداخلي المتصاعد
- تشهد إيران موجة من الاحتقان الشعبي بسبب الأوضاع الاقتصادية الخانقة، واستمرار العقوبات الغربية.
- التصعيد الخارجي يخدم استراتيجية “توحيد الجبهة الداخلية” وصرف الانتباه عن الأزمة الاقتصادية.
2. ترسيخ النفوذ الإقليمي
- ترى طهران في التصعيد وسيلة لإثبات أنها لا تزال اللاعب الأهم في محور “المقاومة”.
- تعزيز موقعها في سوريا ولبنان والعراق بات ضرورة استراتيجية بعد اهتزاز الثقة في بعض هذه الساحات.
3. رسائل تفاوضية غير مباشرة
- التصعيد أداة تفاوض مع الغرب في ملفات الاتفاق النووي والعقوبات.
- التلويح بالقدرة على إشعال المنطقة ورقة ضغط فعالة أمام تردد أمريكي واضح.
ثالثًا: إسرائيل.. التوقيت لم يكن صدفة
1. أزمة سياسية داخلية
- تواجه حكومة نتنياهو أزمات متتالية: احتجاجات ضد تعديل النظام القضائي، توترات داخل الائتلاف الحاكم، وفقدان ثقة لدى قطاعات من الجيش.
- التصعيد مع إيران يعيد ترتيب الأولويات ويجمّع الرأي العام خلف “الخطر الخارجي”.
2. محاولة استعادة الردع
- تل أبيب قلقة من تآكل قدرة الردع بعد توسيع إيران لنفوذها في الجولان ولبنان.
- الهجمات الأخيرة تستهدف إعادة تعريف “الخطوط الحمراء”.
3. رسالة لواشنطن
- إسرائيل غير راضية عن سياسة إدارة بايدن “الناعمة” تجاه إيران.
- التصعيد يحمل رسالة بأن إسرائيل مستعدة للتحرك منفردة، ولو كلّفها ذلك المواجهة.
رابعًا: أوراق الخارج.. اللاعبون الخفيّون
– الولايات المتحدة
رغم التصريحات الداعية للتهدئة، تبقي واشنطن على دعمها الكامل لإسرائيل. لكنها تخشى من اتساع الصراع ليشمل مصالحها في الخليج والعراق، مما يفسر ضغطها “الناعم” على الطرفين.
– روسيا
تراقب موسكو التطورات بصمت، لكنها مستفيدة من انشغال واشنطن في الشرق الأوسط، ما قد يخفف الضغط عليها في أوكرانيا.
– الصين
تعزز الصين دورها كوسيط هادئ، بعد اتفاق المصالحة السعودي الإيراني. لكنها لا ترغب في انهيار كامل للوضع الإقليمي، خاصة مع استثماراتها المتزايدة.
خاتمة: إلى أين يتجه الصراع؟
من الواضح أن التصعيد ليس مجرد حادث طارئ، بل امتداد لمعركة أوسع على النفوذ وإعادة تشكيل توازنات القوة في الشرق الأوسط. لكن ما يزيد خطورته اليوم هو تداخله مع أزمات داخلية في طهران وتل أبيب على حد سواء، ومع فراغ استراتيجي أميركي لم يُملأ بعد.
هل نحن أمام مواجهة إقليمية كبرى، أم مجرد جولة جديدة في حرب طويلة الأمد تُدار تحت سقف الانفجار الشامل؟
الأسابيع القادمة قد تحمل الإجابة، لكن المؤكد أن الشرق الأوسط مقبل على إعادة تموضع غير مسبوقة.