مع تصاعد النزاعات الجيوسياسية، وتحوّل بعض الخلافات الحدودية إلى حروب مفتوحة أو صراعات باردة، يطرح السؤال نفسه بقوة: هل عاد العالم إلى منطق إعادة ترسيم الحدود بالقوة؟ بعد عقود من تبني مبدأ احترام السيادة، يبدو أن صدى الخرائط يتردد من جديد، ولكن هذه المرة على وقع المعارك العسكرية والمناورات السياسية.
🌐 من الحرب الباردة إلى حدود ساخنة
خلال الحرب الباردة، ورغم اشتداد الصراعات الأيديولوجية، حافظت معظم الدول على الوضع القائم للحدود، باستثناء حالات محدودة. لكن العقد الأخير شهد عودة ملفتة لتحدي الحدود الدولية، بدءًا من ضمّ روسيا للقرم عام 2014، وصولًا إلى الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة التي تهدد بإعادة تشكيل شرق أوروبا.
📍 لماذا يُطرح سؤال الحدود الآن؟
- فشل النظام العالمي في الردع الفعّال.
- صعود قوى تسعى لتوسيع نفوذها خارج الحدود التقليدية.
- هشاشة بعض الدول وغياب الدولة المركزية.
- شعور بعض الدول أن السياق الدولي بات يسمح “بمغامرات جغرافية”.
روسيا وأوكرانيا: الجغرافيا بعيون السلاح
اجتياح القرم كنموذج
في 2014، ضمّت روسيا شبه جزيرة القرم بالقوة، معتبرةً أنها أرض روسية تاريخيًا. هذا الحدث كان أول اختراق صريح لقواعد ما بعد الحرب العالمية الثانية المتعلقة بعدم تغيير الحدود بالقوة في أوروبا.
حرب 2022: محاولة إعادة تشكيل شرق أوروبا
الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، والذي ما يزال مستمرًا في 2025 رغم المحاولات الدبلوماسية لوقفه، يُعدّ أكبر تحدٍّ للحدود المعترف بها دوليًا منذ الحرب العالمية الثانية، وقد أدّى إلى تشظي فعلي للسيادة الأوكرانية في مناطق شرق البلاد وجنوبها.
إسرائيل وحدود القوة: من الجولان إلى الضفة
إسرائيل تُعدّ من أكثر الدول التي استخدمت القوة لتوسيع حدودها أو فرض واقع جغرافي جديد:
- مرتفعات الجولان التي احتلتها عام 1967 ثم أعلنت ضمّها رسميًا.
- الضفة الغربية، حيث يجري توسيع المستوطنات على نحو يجعل إقامة دولة فلسطينية ضمن حدود 1967 أكثر صعوبة.
- القدس التي أعلنتها “عاصمة موحّدة” رغم الرفض الدولي.
الصين وتايوان: التهديد بتغيير الحدود المنتظِرة
رغم عدم وجود حرب مباشرة حتى الآن، فإن الصين تصر على أن تايوان جزء لا يتجزأ من أراضيها، وتلوّح دائمًا بإمكانية الضم بالقوة إذا أعلنت الجزيرة الاستقلال رسميًا.
كما تتنازع الصين مع دول أخرى على أرخبيلات وجزر في بحر الصين الجنوبي، حيث أنشأت منشآت عسكرية، مما يفتح بابًا على إمكانية تغيير الحدود البحرية بالقوة أو بالتحكّم التدريجي.
🔥 إفريقيا: حدود الاستعمار لم تُنسَ بعد
رغم أن القارة السمراء شهدت استقرارًا نسبيًا من حيث الحدود منذ الاستقلال، فإن بعض النزاعات لا تزال قائمة:
- الصراع بين إثيوبيا والسودان على منطقة الفشقة.
- النزاع بين المغرب وجبهة البوليساريو حول الصحراء الغربية.
- التوترات الحدودية بين مالي والنيجر وتشاد، خاصة بعد موجة الانقلابات الأخيرة.
هذه التوترات تُغذّى أحيانًا بعوامل داخلية، لكنها في الغالب ترث إرثًا استعماريًا لم يُعالج بشكل عادل.
🛡️ هل يتفكك النظام الدولي الحالي؟
منطق “القوة تصنع الحق”
ما نشهده اليوم يعبّر عن تراجع في الالتزام بقواعد النظام الدولي التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية. لقد أصبح من الشائع أن تُقاس “شرعية” التحرك الحدودي بـ:
- قدرة الدولة على فرض الأمر الواقع.
- عجز المجتمع الدولي عن الردع أو التدخل.
- تغير المواقف الغربية تجاه مفهوم السيادة.
مؤشرات التفكك:
- تراجع الثقة في المؤسسات الدولية.
- استخدام “الفيتو” بشكل يحبط أي تحرك أممي.
- ظهور أقطاب بديلة تُعيد تعريف المصالح والشرعية.
🌍 حدود مرنة أم قابلة للانفجار؟
بين التفاوض والقوة
في بعض الحالات، تجري إعادة ترسيم الحدود بوسائل سلمية:
- كحالة انفصال جنوب السودان بعد استفتاء شعبي.
- أو التفاهمات بين صربيا وكوسوفو برعاية أوروبية.
لكن في المقابل، فإنّ الغالبية الساحقة من محاولات تعديل الحدود تتمّ عبر القوة، مما يُنذر بعالم تتسارع فيه وتيرة الصراعات.
❗النتائج المحتملة: عالم بلا خطوط واضحة
- زيادة النزاعات المسلحة حول مناطق متنازع عليها.
- صعود النزعة الانفصالية داخل الدول ذات البُنى الضعيفة.
- تآكل السيادة الوطنية أمام منطق الأمر الواقع.
- فوضى قانونية في تعامل المنظمات الدولية مع مناطق النزاع.
📌 خلاصة
رغم التقدم التكنولوجي وتوسع مفاهيم السيادة القانونية، لا تزال الجغرافيا تُرسم أحيانًا بالدم والنار. ما نراه اليوم هو عودة تدريجية لمنطق “رسم الحدود بالقوة”، خصوصًا في مناطق التوتر والانهيار. السؤال ليس فقط “هل تعود هذه الظاهرة؟” بل “هل نحن في بدايتها فقط؟”