لطالما اعتُبرت الولايات المتحدة الأمريكية اللاعب الأبرز في معادلة الشرق الأوسط، والحليف الأوثق للأنظمة المعتدلة أو “الصديقة” لواشنطن. لكن في العقدين الأخيرين، طرأت تغيرات عميقة في توجهاتها السياسية، دفعت بكثير من الحلفاء إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقة معها، بل والتساؤل: هل باتت واشنطن حليفًا يمكن الاعتماد عليه؟ أم أنها تخلّت تدريجيًا عن التزاماتها في المنطقة؟
أولًا: من هم “الحلفاء” التقليديون لواشنطن؟
- دول الخليج العربي (خصوصًا السعودية والإمارات): تمحورت العلاقة حول ضمان أمن النفط وممرات الملاحة مقابل التنسيق الاستراتيجي.
- إسرائيل: الحليف الأقرب عسكريًا واستخباراتيًا، وذات علاقة عضوية ومستمرة منذ قيام الدولة العبرية.
- مصر والأردن: أبرز من عقد اتفاقيات سلام مع إسرائيل، ويحظيان بمساعدات عسكرية واقتصادية أمريكية مستمرة.
- القوى الكردية في العراق وسوريا: اعتمدت على واشنطن في مواجهة “داعش” والنظام السوري، لكنها تعرضت لنكسات بعد تغيرات المزاج الأمريكي.
ثانيًا: مؤشرات متكررة على “خذلان” واشنطن لحلفائها
1. الانسحاب من أفغانستان: بداية الانكفاء
في أغسطس 2021، انسحبت الولايات المتحدة بشكل مفاجئ وغير منسّق من أفغانستان، مما أدى إلى انهيار الحكومة الحليفة وعودة “طالبان”.
الرسالة الضمنية التي وصلت إلى حلفاء واشنطن: إذا تخلى الأمريكيون عن حلفائهم بعد 20 عامًا من الدعم، فما الذي يمنعهم من التخلي عنكم؟
2. التقلب في الموقف من الكرد في سوريا
- بعد سنوات من التعاون الوثيق مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، تخلّت واشنطن عنهم في لحظة حرجة عام 2019.
- سمحت بالتوغل التركي في الشمال السوري، دون توفير حماية أو دعم فعلي للحليف الكردي.
- هذا التراجع عن الالتزام خلق قناعة لدى الكثيرين أن التحالف مع واشنطن مؤقت ويخضع لحسابات أكبر.
3. أمن الخليج: الحماية المشروطة
- في سبتمبر 2019، استهدفت طائرات مسيّرة وصواريخ منشآت “أرامكو” في السعودية، وأُعلن أن الهجوم انطلق من إيران أو حلفائها.
- ردّ الفعل الأمريكي كان باهتًا، واقتصر على تصريحات وإرسال بعض التعزيزات الرمزية.
- هذا الموقف خالف التوقعات الخليجية التي بنت علاقتها على مفهوم “المظلة الأمنية الأمريكية”، ما تسبب في قلق استراتيجي متصاعد.
4. إسرائيل: دعم مشروط أكثر من أي وقت
- لا تزال إسرائيل تحظى بدعم عسكري قوي من واشنطن، لكن تغير المزاج السياسي داخل أمريكا بدأ يُحدث فارقًا.
- أوساط داخل الحزب الديمقراطي بدأت تنتقد سياسات إسرائيل، خصوصًا تجاه الفلسطينيين.
- في حرب غزة الأخيرة، برزت ضغوط أمريكية غير مسبوقة (من الكونغرس والشارع) تطالب بوقف إطلاق النار، ما مثّل “تنبيهًا” بأن الدعم الأمريكي لم يعد مطلقًا.
ثالثًا: الأسباب الأمريكية وراء التغير في الموقف
1. التحول نحو آسيا: الصين أولًا
- السياسة الأمريكية الحديثة تركّز على احتواء صعود الصين.
- هذا التوجه يعني تقليص الالتزام في مناطق مثل الشرق الأوسط، حيث التكاليف مرتفعة والمردود الجيوسياسي غير مضمون.
2. الملل من “الحروب الأبدية”
- الحروب في العراق وأفغانستان أثبتت فشل النهج العسكري الطويل، وأرهقت الاقتصاد والرأي العام.
- أصبح الانسحاب لا مجرد خيار، بل مطلبًا شعبيًا، خاصة بين الديمقراطيين.
3. استراتيجية “القيادة من الخلف”
- واشنطن لم تعد ترغب في أن تكون في الواجهة بكل الملفات.
- تريد من الحلفاء تحمل مزيد من المسؤولية، ماليًا وعسكريًا، مقابل دعم سياسي أو لوجستي فقط.
- هذا ما حدث في ليبيا سابقًا، ويحدث اليوم مع الخليج وإسرائيل.
رابعًا: كيف تعامل الحلفاء مع التغير الأمريكي؟
1. الخليج: الانفتاح على الشرق
- بدأت السعودية والإمارات بتوقيع اتفاقيات استراتيجية مع الصين وروسيا.
- السعودية قبلت بوساطة صينية لإنهاء الخلاف مع إيران، في خطوة غير مسبوقة بعيدًا عن واشنطن.
- الاستثمارات الخليجية تتجه أكثر نحو آسيا، مع تقليل الاعتماد على واشنطن كمزود وحيد للأمن.
2. إسرائيل: الاعتماد على الذات
- توسع إسرائيل من قدراتها الدفاعية الذاتية (القبة الحديدية، أنظمة الليزر).
- تبحث عن شراكات بديلة مع الهند، وأوروبا الشرقية، وحتى بعض دول الخليج.
- تقلص الثقة في “الغطاء الكامل” الأمريكي، خصوصًا في حال حدوث تصعيد إقليمي كبير.
3. تركيا: اللعب على التناقضات
- عضو في الناتو، لكنها تشترى الأسلحة الروسية وتتعاون أحيانًا مع طهران.
- تدير علاقات مركّبة مع واشنطن، لكن دون رهان استراتيجي واضح.
- تُحاول تعويض تراجع النفوذ الأمريكي بتوسيع أدوارها الإقليمية في ليبيا وسوريا والقوقاز.
خامسًا: هل فعلاً خذلت واشنطن حلفاءها؟
نعم، من وجهة نظر الحلفاء:
- التراجع الأمريكي لم يُناقش مسبقًا معهم، بل تم فرضه كأمر واقع.
- المصالح الأمريكية باتت فوق أي التزامات تاريخية أو تحالفات.
لا، من وجهة نظر واشنطن:
- الحلفاء بالغوا في الاعتماد على أمريكا، ولم يطوّروا شراكات بديلة أو قدرات ذاتية.
- واشنطن تتجه نحو عقلانية استراتيجية، لا تعني التخلي بل تعني: “أعد النظر في سقف توقعاتك.”
خاتمة: تحالف جديد أم نهاية التحالف؟
العالم يتغير. والشرق الأوسط لم يعد مركز العالم كما في السابق.
لذا فالسؤال اليوم ليس “هل خذلت أمريكا حلفاءها؟” بل: كيف سيعيد الحلفاء تعريف علاقتهم بها؟
واشنطن لم تغادر تمامًا، لكنها بالتأكيد لم تعد “ضامنة كل شيء”.
وما بين خذلان مؤلم وحسابات باردة، يبقى الشرق الأوسط مضطرًا لإعادة رسم خريطته السياسية، دون الاعتماد الكامل على راعٍ واحد.