هل حسمت الصين معركتها مع الغرب؟

منذ بداية القرن الحادي والعشرين، دخلت الصين في مواجهة استراتيجية مفتوحة مع الغرب، خاصة الولايات المتحدة. هذه المواجهة تتخذ أوجهًا متعددة: تجارية، تكنولوجية، سياسية، بل وحتى أيديولوجية. فهل حسمت بكين هذه المعركة فعلاً؟ أم أن الصراع لا يزال طويل النفس، متشابك الأبعاد؟ وهل ما نشهده اليوم هو صعود نهائي للصين أم محطة في حرب مفتوحة؟


🏛️ من صين “دنغ” إلى صين “شي”: التحول الحاسم

عاشت الصين منذ ثمانينيات القرن الماضي على قاعدة “اخفِ قوتك واصنع نجاحك”، كما أوصى الزعيم دنغ شياو بينغ. لكن منذ وصول شي جين بينغ إلى الحكم عام 2012، تغيرت الاستراتيجية جذريًا:

  • تبنت الصين موقفًا أكثر هجومية تجاه الغرب
  • أطلقت مشاريع كبرى كـ “الحزام والطريق” لتعزيز نفوذها
  • استثمرت في التوسع العسكري والبحري
  • وضعت نفسها في مواجهة مباشرة مع أمريكا في ملفات تايوان، بحر الصين الجنوبي، والتكنولوجيا

هذا التحول يمثل إعلانًا ضمنيًا بأن بكين لم تعد تقبل بلعب دور “الشريك الصامت”.


🧨 الحرب التجارية: بداية العلن في الصراع

في 2018، اندلعت حرب تجارية مفتوحة بين أمريكا والصين بقيادة ترامب:

  • فرضت واشنطن رسومًا جمركية ضخمة على الواردات الصينية
  • ردت بكين بالمثل
  • تضررت سلاسل الإمداد العالمية، وارتبكت الأسواق
  • لكن الأهم: تم كسر فكرة أن الاقتصاد وحده يربط البلدين

رغم محاولات التهدئة، استمرت الحرب بشكل غير مباشر حتى اليوم، عبر العقوبات، القيود التكنولوجية، وفصل الأسواق.


⚙️ التكنولوجيا: المعركة الأهم

الصراع الأبرز اليوم يدور في ساحة التكنولوجيا:

  • الذكاء الاصطناعي: تسعى الصين لمنافسة هيمنة الشركات الأمريكية الكبرى
  • شبكات 5G: وضعت هواوي في قلب المواجهة
  • الرقائق الإلكترونية: فرضت أمريكا حظرًا على بيع الرقائق المتقدمة لبكين
  • البيانات والتجسس السيبراني: اتهامات متبادلة بين الجانبين

رغم الإنجازات الصينية في الذكاء الاصطناعي والكومبيوترات الكمية، لا تزال الصين تعتمد جزئيًا على تقنيات غربية في الرقائق والبرمجيات.


💹 من الاقتصاد إلى النفوذ العالمي

تحوّلت الصين من “مصنع العالم” إلى لاعب سياسي واقتصادي عالمي:

  • ثالث أكبر مانح للقروض في العالم
  • منافس شرس لصندوق النقد والبنك الدوليين
  • تمدد استثماري في إفريقيا، آسيا، وأمريكا اللاتينية
  • توقيع اتفاقيات شراكة استراتيجية مع روسيا وإيران ودول جنوب العالم

لكن هذا التمدد يثير مخاوف الغرب، ويُنظر إليه كأداة للهيمنة الناعمة.


🧭 ماذا عن العلاقات مع أوروبا؟

رغم التوتر الأمريكي الصيني، تحاول أوروبا اتباع مسار مستقل:

  • فرنسا وألمانيا تفضلان سياسة “الانخراط الحذر” مع بكين
  • الصين أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي
  • لكن القلق الأوروبي يتصاعد من دور الصين في ملفات مثل روسيا، حقوق الإنسان، وتجسس الشركات

الاستراتيجية الأوروبية حتى الآن تقوم على “عدم القطيعة” و”توزيع المخاطر”، دون القفز إلى خندق المواجهة الكاملة.


💣 ملف تايوان: النقطة الأخطر

تمثل تايوان نقطة الاشتعال الكبرى:

  • تعتبرها بكين إقليماً متمرداً يجب استعادته
  • ترفض أمريكا ومعظم دول الغرب أي تغيير بالقوة
  • المناورات العسكرية الصينية المتكررة ترفع مستوى التوتر
  • أي مواجهة في تايوان تعني حربًا مباشرة بين القوى الكبرى

رغم ذلك، تلعب الصين لعبة النفس الطويل، مع تعزيز الضغط العسكري والدبلوماسي دون تجاوز الخط الأحمر بعد.


🪙 اليوان في مواجهة الدولار

من مؤشرات القوة الصينية:

  • تعزيز استخدام اليوان في التبادلات التجارية
  • اتفاقيات لتبادل العملات مع روسيا، السعودية، البرازيل
  • إطلاق نسخة رقمية من اليوان
  • السعي لتقليل الاعتماد على الدولار في التبادلات الدولية

لكن الدولار لا يزال يمثل 60% من الاحتياطي العالمي، ولا يزال النظام المالي العالمي تحت هيمنة أمريكية.


🌐 هل تحسم الصين المعركة فعلًا؟

لا يمكن القول إن الصين “حسمت” الصراع، لكنها بالتأكيد:

  • كسرت أحادية القطب الأمريكي
  • خلقت نظامًا عالميًا متعدد الأقطاب
  • أصبحت طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة دولية
  • نقلت المعركة من الدفاع إلى الهجوم

لكن التحديات لا تزال قائمة:

التحديالشرح
شيخوخة السكانتراجع النمو الديمغرافي يهدد استمرارية النمو
تباطؤ الاقتصادتباطؤ النمو ما بعد كوفيد وديون داخلية ضخمة
الضغط الأمريكيتحالفات تطوّقها في المحيطين الهندي والهادئ
الاعتماد التكنولوجيلا تزال بحاجة إلى الغرب في بعض الصناعات

🧩 الخلاصة

الصين لم تحسم المعركة مع الغرب بعد، لكنها غيرت قواعدها. لم تعد تلعب في الهامش، بل تصوغ البدائل.
أمامها طريق طويل، محفوف بالتحديات الاقتصادية والديموغرافية والسياسية، لكن الواضح أن بكين مصممة على خوض الصراع حتى النهاية، بأسلوبها الخاص، وبنفسٍ تاريخي عميق.

Show Comments (0) Hide Comments (0)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
المقالات الأخيرة: