مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الرابع، تتبدل الأسئلة: فبعد أن كان التساؤل الأول هو “هل ستسقط كييف؟”، أصبح الآن: “هل تسعى موسكو إلى حرب استنزاف طويلة؟”. ثم: “وهل يمكن للمفاوضات الجارية أن توقف هذا النزيف؟”.
فالحرب التي بدأت بغزو واسع في فبراير 2022، تحولت تدريجيًا إلى نزاع متجمّد/متحرك، يستنزف الطرفين ويعيد تشكيل توازنات أوروبا الشرقية، ويختبر صبر حلف شمال الأطلسي وقدرة روسيا على الصمود… وربما على التقدم.
أولًا: من حسم سريع إلى استنزاف طويل – الاستراتيجية الروسية المعدّلة
مع الفشل المبكر في إسقاط كييف وتغيير النظام، أعادت موسكو صياغة أهدافها في 2022–2023.
ثم ومع بداية 2024، أصبح واضحًا أن روسيا:
- تخلّت عن الأهداف القصوى (ضم أوكرانيا بالكامل).
- وركّزت على استنزاف الداخل الأوكراني وداعميه الغربيين.
- وعزّزت سيطرتها على مناطق الشرق والجنوب عبر سياسات تعيين، وتجنيس، ودمج اقتصادي.
وهذا ما يفسر استمرار القصف المتقطع، والتحركات المحدودة على الجبهات، مقابل تعبئة اقتصادية ودفاعية عميقة في الداخل الروسي.
ثانيًا: مؤشرات حرب الاستنزاف – ثلاث سنوات من التآكل البطيء
1. استنزاف البنية التحتية والاقتصاد الأوكراني
روسيا ركّزت هجماتها منذ 2023 على محطات الكهرباء، وشبكات الغاز، ومراكز النقل، ما تسبب في شلل متكرر للمرافق الحيوية.
2. تفكك الزخم الغربي
رغم استمرار الدعم الأوروبي والأمريكي، إلا أن:
- الولايات المتحدة شهدت تراجعًا في الدعم الشعبي والنيابي.
- أوروبا باتت تتحدث بشكل متزايد عن “السلام القابل للتفاوض” بدل “هزيمة روسيا”.
3. تكيف روسيا مع العقوبات
بحلول 2025، نجحت روسيا في:
- إعادة هيكلة سلاسل توريدها عبر الصين وإيران ووسط آسيا.
- زيادة الإنتاج الحربي الداخلي.
- فرض استقرار نسبي على الروبل والاقتصاد المحلي.
ثالثًا: المفاوضات ومحاولات التهدئة – ما الذي تغير في 2025؟
في النصف الأول من 2025، ظهرت مؤشرات متعددة على انفتاح الطرفين على الحلول الجزئية، منها:
- تبادل رسائل غير مباشرة بوساطة تركية وهنغارية.
- مبادرات من بكين وبرازيليا لعقد مؤتمر سلام تدريجي.
- تصريحات روسية تشير إلى استعداد لوقف “مؤقت” إذا ضُمنت مكاسبها الميدانية.
لكن أوكرانيا – حتى الآن – ترفض التنازل عن الأراضي المحتلة (خصوصًا دونيتسك وزابوريجيا)، بينما تصرّ روسيا على أن أي انسحاب يعني “انتحارًا سياسيًا لبوتين”.
رابعًا: حرب استنزاف أم حرب تجميد؟
في واقع 2025، يبدو أن الحرب انتقلت إلى مرحلة هجينة:
- ليست حربًا شاملة، لكنها ليست سلمًا حقيقيًا.
- ليست هجمات واسعة النطاق، لكنها قصف واستنزاف ممنهج.
- ليست مواجهة سياسية فقط، لكنها حرب أعصاب طويلة المدى.
وهنا يصبح الهدف الروسي – على ما يبدو – هو “التحكم في الإيقاع”، لا الحسم:
- إبقاء أوكرانيا تحت الضغط.
- جرّ الغرب إلى الإنهاك المالي والسياسي.
- إبقاء خيار التوسع مفتوحًا دون التورط في كلفة هائلة.
خامسًا: هل تنجح روسيا في حرب الاستنزاف؟
نجاح روسيا مرهون بثلاثة عوامل:
| العامل | الموقف الروسي | الموقف الأوكراني/الغربي |
|---|---|---|
| الاستنزاف الاقتصادي | تعايش نسبي – دعم صيني وإيراني | أزمة تمويل متزايدة في كييف |
| الجبهة الداخلية | خضوع إعلامي، تعبئة شعبية نسبية | تعب شعبي ومطالبات بوقف الحرب |
| الزخم السياسي | استقرار بوتين بعد الانتخابات الرئاسية | تغيرات في أوروبا وأمريكا (ترامب يعود) |
في هذا السياق، روسيا لا تسعى بالضرورة إلى “النصر العسكري”، بل إلى هندسة بيئة دولية وإقليمية ترغم الجميع على التفاوض بشروطها.
سادسًا: المستقبل القريب – ثلاثة سيناريوهات محتملة
- سيناريو التجميد: خطوط القتال تستقر، ويُعلَن وقف إطلاق نار هش برعاية دولية (الأرجح خلال 2025).
- سيناريو التصعيد المحدود: قصف متبادل، وهجمات في الجنوب، دون تغييرات كبيرة في الخرائط.
- سيناريو الحل السياسي المرحلي: “تجميد مقابل انسحابات جزئية”، قد تقبل به موسكو دون إعلان هزيمة.
خلاصة
روسيا لم تحسم الحرب عسكريًا، لكنها أعادت هندستها سياسيًا وزمنيًا.
وهي تدرك أن الزمن قد لا يمنحها النصر… لكنه قد يمنع عنها الهزيمة.
ومع عودة إدارة أمريكية جديدة أكثر انكفاءً، وتراجع أولويات أوروبا،
ربما تراهن موسكو على أن الحرب التي لا تُخسر، تُربح بالتعب.