منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، رُسِمت العلاقة بين أوروبا وأمريكا على أسس أمنية واقتصادية جعلت القارة العجوز تابعة لواشنطن في ملفات أساسية.
لكن منذ بداية القرن الحادي والعشرين، ومع توالي الأزمات الدولية – من حرب العراق إلى الانسحاب من أفغانستان، ثم حرب أوكرانيا، وأخيرًا عودة ترامب إلى البيت الأبيض – عاد الجدل مجددًا حول:
هل تستطيع أوروبا أن تتحرر من المظلة الأمريكية وتبني دورًا استراتيجيًا مستقلاً؟
أولًا: النفوذ الأمريكي في أوروبا… جذور متينة
لا يمكن فهم العلاقة دون التذكير بالأسس العميقة التي جعلت أمريكا لاعبًا أساسيًا في أوروبا:
- حلف الناتو: العمود الفقري للأمن الأوروبي، حيث تمثل واشنطن القوة العسكرية الأكبر، وقائدة الردع النووي.
- الوجود العسكري: قواعد أمريكية منتشرة من ألمانيا إلى إيطاليا وبولندا.
- الدور الاقتصادي: عبر الشركات متعددة الجنسيات، وهيمنة الدولار، واتفاقيات التجارة العابرة للأطلسي.
🎯 النتيجة: أوروبا لم تطوّر بنية أمنية مستقلة، وظلت تعتمد على المظلة الأمريكية سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا.
ثانيًا: الرغبة الأوروبية في الاستقلال… تتصاعد
شهدت السنوات الأخيرة محاولات أوروبية واضحة للتموضع بشكل مستقل:
- الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعا صراحة إلى “استقلال استراتيجي أوروبي”، ورفض التبعية “العمياء” لأمريكا.
- الاتحاد الأوروبي أنشأ أدوات مالية مثل INSTEX لمحاولة الالتفاف على العقوبات الأمريكية ضد إيران.
- بعد الحرب في أوكرانيا، تعززت الدعوات لتقوية القدرات الدفاعية الذاتية في أوروبا.
📌 لكن السؤال يبقى: هل تكفي هذه الرغبة في ظل واقع الاعتماد البنيوي؟
ثالثًا: العوائق البنيوية أمام الدور المستقل
رغم الطموح، تواجه أوروبا عقبات حقيقية في بناء دور مستقل:
- غياب جيش موحد: الاتحاد الأوروبي لا يملك قوة عسكرية موحدة، وتعتمد معظم دوله على الناتو.
- انقسام داخلي: أوروبا ليست كيانًا سياسيًا موحدًا. تختلف مواقف ألمانيا عن فرنسا، وشرق أوروبا عن غربها.
- الاعتماد على الطاقة والسوق الأمريكية: خصوصًا بعد حرب أوكرانيا، ازدادت واردات الغاز الأمريكي، كما اعتمدت أوروبا على الدعم العسكري الأمريكي لكييف.
- الردع النووي مفقود: فرنسا فقط تملك السلاح النووي، والبقية تعتمد على “المظلة النووية الأمريكية”.
🎯 أي استقلال استراتيجي يتطلب أدوات، لا خطابات فقط.
رابعًا: ترامب والقلق الأوروبي المتجدد
عودة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع 2025 أعادت المخاوف الأوروبية إلى الواجهة.
- خلال ولايته الأولى، انتقد الناتو، وهدد بالانسحاب منه.
- قلل من أهمية الدفاع عن دول البلطيق، ومال إلى “الصفقات” لا “التحالفات”.
- وصف الاتحاد الأوروبي بأنه “خصم تجاري”.
👀 اليوم، مع عودته، تخشى أوروبا أن تجد نفسها وحيدة أمام روسيا أو الصين، مما يسرّع النقاش حول بناء قدرات ذاتية… وإن كان الوقت متأخرًا.
خامسًا: هل توجد مساحة للمناورة الأوروبية؟
رغم القيود، أوروبا تملك بعض أدوات التحرك المستقل:
- قوتها الاقتصادية: ثاني أكبر كتلة اقتصادية في العالم، تملك تأثيرًا تجاريًا وتنظيميًا عالميًا.
- قدرتها على التشريع البيئي والتقني: من تنظيم الذكاء الاصطناعي إلى قوانين المناخ.
- علاقات خارجية متوازنة: تسعى لعلاقات متوازنة مع الصين، والشرق الأوسط، وإفريقيا بمعزل عن واشنطن أحيانًا.
لكن: هل يكفي التأثير الناعم إن غابت القدرات الصلبة؟
خاتمة: استقلال نسبي لا استغناء كلي
لا يمكن الحديث عن قطيعة بين أوروبا وأمريكا في الأمد القريب.
لكن يمكن الحديث عن تحولات تدريجية نحو توازن أكبر.
أوروبا اليوم تحاول أن تكون “شريكًا” لا “تابعًا”، لكن الأمر يتطلب سنوات من البناء العسكري والسياسي.
والسؤال الحقيقي:
هل تسمح أمريكا… وهل تسمح الجغرافيا السياسية… باستقلال أوروبي فعلي؟
أم أن أوروبا ستبقى دومًا في منطقة “الظل الأطلسي”؟