هل انتهت “مهمة” القوات الفرنسية في الساحل؟

منذ بداية العقد الماضي، كانت فرنسا أحد أبرز الفاعلين العسكريين في منطقة الساحل الإفريقي، متدخلة عبر عمليات عسكرية ضخمة مثل “سيرفال” ثم “برخان”، تحت ذريعة محاربة الإرهاب وضمان الاستقرار الإقليمي. لكن التحولات السياسية، والرفض الشعبي، وتصاعد النفوذ الروسي، كلها عوامل بدأت تقوض هذا الوجود. فهل ما جرى هو انسحاب كامل أم إعادة تموضع؟ وهل نحن أمام نهاية حقبة فرنسا الإفريقية؟


🔹 خلفية تاريخية للتدخل الفرنسي:

دخلت فرنسا عسكريًا إلى الساحل في يناير 2013 من بوابة مالي، بعد أن سيطرت الجماعات الجهادية على مدن الشمال مثل تمبكتو وغاو. أطلقت عملية “سيرفال” بسرعة، وبنجاح تكتيكي تم طرد المسلحين. لكن سرعان ما تحولت العملية إلى مشروع أوسع سُمّي بـ”برخان” عام 2014، وهدفه السيطرة على المشهد الأمني في 5 دول: مالي، النيجر، بوركينا فاسو، تشاد، وموريتانيا.

فرنسا اعتبرت نفسها القوة الوحيدة القادرة على منع تحوّل المنطقة إلى حاضنة للتنظيمات الجهادية العابرة للحدود، خصوصًا في ظل ضعف جيوش تلك الدول.


🔄 الأهداف المعلنة والنتائج الواقعية:

الأهداف الرسمية شملت:

  • مكافحة الإرهاب.
  • دعم استقرار الدول.
  • تدريب القوات المحلية.

لكن النتيجة كانت:

  • استمرار تصاعد العمليات الإرهابية.
  • هشاشة الأنظمة السياسية.
  • احتجاجات شعبية ضد “الاستعمار الجديد”.

رغم إنفاق مليارات اليوروهات ونشر آلاف الجنود، لم تتمكن فرنسا من تحويل الانتصارات العسكرية إلى واقع أمني مستقر، وهو ما ولّد شعورًا بالفشل لدى الشركاء المحليين.


🇲🇫 الانقلابات العسكرية: هل أنهاها؟

شهدت دول الساحل موجة غير مسبوقة من الانقلابات خلال السنوات القليلة الماضية:

  • مالي (2021): طرد المجلس العسكري القوات الفرنسية، وأعاد رسم التحالفات باتجاه روسيا.
  • بوركينا فاسو (2022): نفس السيناريو تكرر، حيث أُعلن إنهاء الاتفاقيات الأمنية مع باريس.
  • النيجر (2023): انقلاب آخر، واجهته فرنسا بحدة، لكنه أكّد هشاشة الحلفاء.

هذه الانقلابات لم تكن فقط صدمة سياسية، بل أسقطت فعليًا الشرعية التي كانت تعتمد عليها فرنسا لتبرير وجودها.


⚖️ هل انسحبت فرنسا حقًا؟

لا يمكن الحديث عن انسحاب شامل. ما جرى هو أشبه بـ”إعادة تموضع استراتيجي”:

  • سحبت فرنسا قواتها من مالي وبوركينا فاسو.
  • أبقت على وجودها في تشاد وساحل العاج.
  • غيّرت استراتيجية المواجهة من العمليات المباشرة إلى الدعم اللوجستي والتدريب.

فرنسا لم تغادر إفريقيا، لكنها تخلّت عن نموذج “القوة المسيطرة”، واستبدلته بنهج أكثر تحفظًا، يعتمد على القوة الناعمة والتعاون الاقتصادي.


🇷🇺 روسيا تدخل المعادلة:

مع انسحاب فرنسا، ظهرت روسيا كبديل جاهز:

  • مالي وبوركينا فاسو وجمهورية إفريقيا الوسطى استقبلت عناصر من مجموعة فاغنر.
  • الرواية الروسية تعتمد على تقديم الدعم الأمني بلا شروط سياسية، عكس باريس.
  • الحضور الروسي يعيد تشكيل ميزان القوى الجيوسياسي في القارة.

روسيا لا تقدم فقط خدمات عسكرية، بل تنخرط أيضًا في الخطاب المعادي للاستعمار الغربي، ما يعزز قبولها الشعبي.


📉 تراجع النفوذ الفرنسي: الأسباب:

  1. الخطاب الاستعماري الموروث: يُنظر لفرنسا على أنها قوة احتلال.
  2. الفشل التنموي: لم ينعكس الوجود الفرنسي بتحسن معيشي للشعوب.
  3. صعود البدائل الدولية: روسيا، الصين، تركيا.
  4. ضعف الدعم الأوروبي: باريس شعرت أنها تتحرك وحدها.

كل هذا أدى إلى اهتزاز صورة فرنسا كشريك موثوق.


🔎 ما بعد برخان: نهاية أم ولادة جديدة؟

تُركت فرنسا اليوم أمام خيارات صعبة:

  • إما الانكفاء والانكفاء سياسياً،
  • أو التحول إلى قوة ناعمة تعتمد على التعليم واللغة والثقافة.

المؤشرات الحالية توحي بأن باريس تراجع أدواتها وتعيد رسم علاقاتها، ليس فقط عسكريًا، بل اقتصاديًا وثقافيًا.


🔹 خلاصة:

انتهت فعليًا “مهمة” القوات الفرنسية في شكلها القديم، لكن لم تنتهِ المصالح الفرنسية في إفريقيا. نحن أمام مرحلة انتقالية، يتراجع فيها النفوذ العسكري المباشر، لصالح أدوات ناعمة وتحالفات جديدة. منطقة الساحل لم تعد ساحة مفتوحة لباريس، بل باتت جزءًا من صراع عالمي على النفوذ.


🤔 الأسئلة الشائعة (FAQs):

1. هل أنهت فرنسا وجودها العسكري بالكامل في الساحل؟

لا، لكنها أنهت عملية برخان وأعادت تموضعها في دول أخرى مثل تشاد وساحل العاج.

2. لماذا تصاعدت مشاعر العداء لفرنسا؟

بسبب الإرث الاستعماري، وفشل التنمية، وتراجع الثقة في نوايا باريس.

3. ما هي بدائل فرنسا في إفريقيا اليوم؟

التحول إلى الدبلوماسية الثقافية، التعاون الاقتصادي، وتخفيف التدخلات العسكرية المباشرة.

4. هل روسيا قادرة على ملء فراغ فرنسا؟

جزئيًا، نعم. روسيا تقدم دعمًا عسكريًا أقل تكلفة سياسيًا، لكنها تفتقر للبنية التحتية الواسعة التي تمتلكها فرنسا.

5. ما مستقبل الساحل بعد انسحاب باريس؟

المنطقة تواجه مرحلة سيولة استراتيجية، وسط تنامي التحديات الأمنية وتعدد الفاعلين الدوليين.

Show Comments (0) Hide Comments (0)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
المقالات الأخيرة: