كيف يغيّر السفر نظرتك للحياة؟

من يركب الحافلة أو القطار أو حتى سيارة الأجرة للتنقل بين المدن، لا يتحرّك فقط في الجغرافيا، بل يسافر داخل نفسه أيضًا. فالسفر بين المدن العربية، أو حتى بين المدن الصغيرة في بلد واحد، تجربة مختلفة تمامًا عن مجرد “الانتقال” من مكان إلى آخر.

هو تبديل للمناخات الروحية، لتوقيت الأحاسيس، ولهجات الناس، وطبيعة الوجوه، وسرعة الإيقاع اليومي.
إنها فرصة لتأمل كيف تعيدك المدن المختلفة إلى نفسك بطريقة مختلفة كل مرة.


لكل مدينة إيقاعها النفسي

لا يتعلق الأمر بجمال المدينة أو ترتيب شوارعها فقط، بل بالإيقاع النفسي الذي تفرضه عليك من اللحظة الأولى.
في مدينة صاخبة مثل القاهرة أو الدار البيضاء، تشعر أن عليك أن تكون يقظًا، سريعًا، متأهبًا.
أما في مدن أصغر مثل صفاقس أو سوسة أو سعيدة، فربما تتباطأ أنفاسك دون أن تدري.

“في كل مدينة، توقيت داخلي جديد يضبط نبض قلبك”، هكذا يصف أحد الرحّالة شعوره بعد زيارة 10 مدن جزائرية في أسبوعين.


السفر بين المدن يعيدك إلى إنسانيتك

حين تُجبر على سؤال الغرباء، وعلى الانتباه إلى الوجوه، وعلى تتبع خرائط غير مألوفة، فأنت تمارس أقدم طقس إنساني: الفضول والتعلم من الآخر.
كل محطة سفر تذكّرك أنك لا تعرف كل شيء، وأن الانفتاح والتواضع ليسا فقط أخلاقًا، بل ضروريات يومية.

أنت أيضًا تصبح أكثر مرونة:

  • تتقبّل الاختلاف في اللباس والعادات.
  • تتعلم كلمات جديدة أو لهجات مختلفة.
  • تصبح أكثر صبرًا، وتتعامل مع التأخير والانزعاج بنوع من الحكمة المؤقتة.

رحلة بالحافلة… رحلة إلى الداخل

السفر البري خصوصًا (بالقطار أو الحافلة) يجبرك على التأمل القسري.
لا يمكنك الهرب من نفسك في 6 ساعات من الطريق، خصوصًا إن لم يكن معك رفاق.
تسمع لنفسك أكثر مما كنت تفعل في المدينة. تتذكر أشياء نسيتها. تراجع مواقفك. وربما تكتب شيئًا أو تحذف رقمًا أو تتخذ قرارًا في لحظة انفراد غريبة.

تقول إحدى الكاتبات: “الرحلة بين عمّان وإربد كل أسبوعين كانت بمثابة جلسة علاج نفسي غير معلن”.


مدن تُنبتُ فيك شيئًا جديدًا

بعض المدن تمنحك هدية غير مرئية: قد تكون ذكرى، أو شخصًا تلتقيه صدفة، أو حتى فكرة تغير تفكيرك.
في مدن الجنوب، تكتشف معنى الصبر. في مدن الشمال، قد تلمس أثر التراكم الثقافي أو العمراني.
وفي المدن الساحلية، ربما تنكشف لك فكرة “التحرر”، ولو للحظات.


تصبح شاهدًا على التنوع الحقيقي

حين تسافر من مدينة إلى أخرى، تُفكك صورة البلد الواحد التي رُسمت لك في الكتب أو التلفاز.
تكتشف أن الهوية ليست صلبة، وأنها مثل النهر تتفرع وتتغير دون أن تضيع.

  • نفس الأغنية قد تُغنّى بلحن مختلف.
  • نفس الطبق يحمل نكهة أخرى.
  • ونفس الكلمات قد تُقال بدلالات متباينة.

إنها الدهشة الخفيفة التي تصيبك حين تكتشف أن “وطنك ليس متجانسًا، لكنه أكثر اتساعًا مما كنت تظن”.


السفر يُسقط عنك التصنيفات

حين تكون غريبًا في مدينة أخرى، لا أحد يعرف اسمك أو عملك أو خلفيتك.
أنت فقط “مسافر”، وهذا نوع من التحرر المؤقت من عبء التوقعات الاجتماعية.
وهو ما قد يمنحك فرصة لتعيد النظر في خياراتك، في صورتك، في طريقة عيشك.


عودة إلى البيت… ولكن بعيون جديدة

الجميل في السفر ليس ما تراه خارجه فقط، بل كيف تعود لترى بيتك، ومدينتك، وحياتك بشكل مختلف.
كأنك نظّفت عدسة النظر إلى اليوميّ. وربما شعرت بالامتنان لما كنت تظنه عاديًا أو تافهًا.

السفر، وإن كان داخليًا، هو تمرين ناعم على التحوّل دون ضجيج.

Show Comments (0) Hide Comments (0)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
المقالات الأخيرة: