في خضم تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والصين، تتخذ أوروبا موقفًا أكثر براغماتية، محاولًا تحقيق توازن دقيق بين مصالحها الاقتصادية وأمنها الاستراتيجي.
خلال العامين الأخيرين، كثّفت حكومات أوروبية كبرى، مثل ألمانيا وفرنسا، من تحركاتها لاجتذاب الاستثمارات الصينية، رغم دعوات أمريكية متكررة للحد من النفوذ الاقتصادي لبكين.
فما دوافع هذا الزخم الأوروبي؟
وإلى أي مدى يمكن لأوروبا أن تمسك العصا من الوسط بين شريك اقتصادي عملاق وحليفها الاستراتيجي الأطلسي؟
الصين في السوق الأوروبية: شريك لا يمكن تجاهله
منذ مطلع القرن، أصبحت الصين من أكبر الشركاء التجاريين للاتحاد الأوروبي.
تجاوز حجم التبادل التجاري بين الطرفين عام 2023 حاجز 850 مليار يورو، مما جعل الصين الشريك الأول لأوروبا في السلع.
وبينما تعتبر واشنطن الصين “منافسًا استراتيجيًا” في المقام الأول، تتعامل بروكسل معها وفق مبدأ “الشراكة، والمنافسة، والمواجهة” في آنٍ واحد.
هذا التعقيد في العلاقة ينعكس في حرص الاتحاد الأوروبي على عدم قطع الجسور مع بكين، لا سيما في ظل الضغوط التضخمية العالمية، وتعطل سلاسل التوريد بعد أزمة أوكرانيا.
ماكرون وشولتس.. بوابتان أوربيتان لبكين
في منتصف 2023، زار المستشار الألماني أولاف شولتس العاصمة الصينية، برفقة وفد كبير من رجال الأعمال.
سبقه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي أبدى صراحةً رفضه لفكرة “فك الارتباط الاقتصادي مع الصين”، مشددًا على ضرورة استقلال أوروبا في قراراتها التجارية.
الرسالة الأوروبية لبكين كانت واضحة: نريد شراكة اقتصادية دون تبعية استراتيجية.
وفي المقابل، ردت الصين بالمثل، عبر فتح الباب أمام استثمارات أوروبية، وتوقيع مشاريع خضراء وصناعية كبرى، لا سيما في قطاع السيارات الكهربائية.
ملف السيارات الكهربائية.. ساحة تجاذب
تعد صناعة السيارات من أبرز نقاط التماس بين الجانبين.
فشركات صينية مثل BYD وNIO وXPeng تسعى إلى توسيع وجودها داخل الأسواق الأوروبية، مستفيدة من التقدم التكنولوجي والدعم الحكومي في الصين.
لكن هذا التوسع قوبل بحذر أوروبي، حيث فتحت المفوضية الأوروبية تحقيقًا حول ما إذا كانت هذه الشركات تستفيد من “دعم حكومي غير عادل”، يمكن أن يُشكل تهديدًا للصناعات المحلية الأوروبية.
النتيجة كانت مزدوجة:
- من جهة، لا تريد أوروبا خنق الاستثمارات الصينية،
- ومن جهة أخرى، تسعى لحماية قواعد المنافسة العادلة في السوق الموحد.
التكنولوجيا والبنية التحتية: بين الاستثمار والرقابة
الاستثمارات الصينية في البنية التحتية الأوروبية، مثل الموانئ (بخاصة في اليونان وإيطاليا)، وشبكات الجيل الخامس (5G)، أثارت جدلًا واسعًا.
فالاتهامات الأمريكية لشركات مثل هواوي بالتجسس لصالح بكين، جعلت عدة دول أوروبية تفرض قيودًا على تلك الشركات، خصوصًا في قطاعات الاتصالات والطاقة.
ومع ذلك، لم تصل أوروبا إلى تبنّي موقف موحد بشأن حظر التكنولوجيا الصينية، على عكس واشنطن، ما يجعل السياسة الأوروبية أكثر تباينًا بين دولة وأخرى.
التنافس على سلاسل التوريد: من يعتمد على من؟
أزمة سلاسل التوريد خلال جائحة كورونا، ثم الحرب في أوكرانيا، دفعت أوروبا إلى مراجعة استراتيجيتها الصناعية.
لكن رغم حديثها المتكرر عن “الاستقلال الاستراتيجي”، فإن الاعتماد على الصين في بعض المواد الخام والمنتجات الصناعية الدقيقة لا يزال كبيرًا.
ولذلك، تتجه أوروبا إلى تعزيز الشراكات مع الصين، لكن عبر آليات رقابة وفحص أمني أكثر صرامة، تفاديًا لأي اختراق اقتصادي استراتيجي.
مستقبل العلاقة: فك ارتباط أم إعادة تموضع؟
السؤال المحوري اليوم: هل تسعى أوروبا إلى فك ارتباط تدريجي مع الصين كما تفعل أمريكا، أم إلى إعادة هيكلة العلاقة لتصبح أكثر توازنًا؟
حتى الآن، تبدو أوروبا متمسكة بخيار “إعادة التموضع”، أي الحفاظ على المكاسب الاقتصادية، دون الإخلال بأمنها الاستراتيجي.
لكن هذا الخيار يزداد صعوبة مع تنامي الصراع الصيني الأمريكي، وازدياد الضغوط الأطلسية على الدول الأوروبية لاصطفاف أوضح.
خلاصة: موازنة صعبة في زمن التحولات الكبرى
لا يمكن لأوروبا تجاهل الصين، لكنها لا تستطيع أيضًا ترك الباب مفتوحًا دون قيود.
ومع كل زيارة صينية أو أوروبية، يُعاد اختبار قدرة بروكسل على المناورة، في عالم بات يُعاد رسم خريطته الجيو-اقتصادية بقسوة.
الزخم الأوروبي لاجتذاب الشركات الصينية إذًا ليس مجرّد حركة اقتصادية، بل محاولة لصياغة معادلة جديدة، تحمي مصالح القارة دون خسارة شركاءها… أو حلفاءها.