في وقتٍ تتصاعد فيه نبرة التحذير الأوروبية من موجات الهجرة، وتُبذل الجهود لتقوية “الحدود الخارجية” للاتحاد الأوروبي، جاء رد الشارع المغاربي مختلفًا تمامًا: ساخرًا، لاذعًا، ومشحونًا بالمرارة التاريخية.
المغاربيون، كالعادة، لم يردّوا بمؤتمرات صحفية ولا بيانات رسمية، بل أطلقوا سيلًا من الهاشتاغات، الصور الساخرة، والمقاطع المصورة التي تناقش بذكاء شعبي تقاطعات الاستعمار، الاقتصاد، والمسؤولية الأخلاقية.
التصريح الذي أشعل الردود: أوروبا “ليست ملزمة” باحتواء المهاجرين
أطلقت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في مايو 2025 تصريحات وصفت بـ”المتحفّظة” بشأن دور الاتحاد في استيعاب موجات المهاجرين من شمال إفريقيا.
قالت بالحرف:
“لا يمكن لأوروبا وحدها أن تتحمّل عبء الهجرة غير النظامية، ويجب على الدول المصدّرة لها أن تتحمّل مسؤولياتها كاملة.”
العبارة، وإن بدت دبلوماسية، أثارت حفيظة كثير من الشباب المغاربي، ممن رأوا فيها نكوصًا أخلاقيًا وتجاهلًا للسياقات التي دفعتهم للهجرة أصلاً.
#احنا_مش_سياح: هاشتاغ مغاربي ساخر يتصدّر تويتر
لم تمضِ ساعات حتى تصدّر وسم #احنا_مش_سياح قوائم الترند في المغرب والجزائر وتونس.
الوسم تحوّل إلى مساحة ساخرة وناقِدة، وكتب فيه المغاربة والتونسيون والجزائريون تعليقات مثل:
- “نهاجر من عند الاستعمار لعند الاستعمار… ونُلام على ذلك.”
- “أوروبا تشكي من الهجرة وتنسى كم من ثروة هجّرتها منا.”
- “تريدون الغاز والفسفاط واليد العاملة ولا تريدون أصحابها؟”
في مزيج من المرارة والنكتة، أعاد المغاربيون رسم ملامح العلاقة المعقدة مع أوروبا، واضعين يدهم على تناقضات الخطاب الأوروبي.
“إذا أردتم وقف الهجرة، أعيدوا لنا كل ما أخذتموه!”
ضمن الردود الساخنة، برز مقطع فيديو متداول على تيك توك، لمغربي شاب يرتدي زي “قراصنة القرن التاسع عشر”، ويقول فيه:
“جئت لأسترجع الأدمغة التي هاجرت، الفوسفات الذي نُهب، والشباب الذي غرق في المتوسط!”
الفيديو حصل على أكثر من 1.2 مليون مشاهدة خلال 3 أيام، وانتشر على فيسبوك وإنستغرام أيضًا، مصحوبًا بتعليقات ساخرة مثل:
- “الهجرة رد طبيعي على استعمار غير طبيعي.”
- “نحن لا نهاجر، نحن نُستدعى بلا دعوة!”
- “من يعيش في وطن بلا فرص، يحاول العبور حتى لو في قارب بلا قاع.”
استدعاء التاريخ: من الحماية إلى التهجير الحديث
ردود الفعل الساخرة لم تكن محصورة بالحاضر فقط، بل استدعت الماضي، حيث شارك المغردون صورًا من الحقبة الاستعمارية، وعلقوا:
- “الفرنسيون لم يسألونا حين استوطنوا، فلماذا يُفزعهم مرورنا الآن؟”
- “الهجرة لم تبدأ الآن، بل بدأت يوم قرّرتم أن القارة ملك لكم.”
النبرة الساخرة ترافقت مع رسائل ثقيلة في معناها: من يزرع التبعية، لا يجب أن يتفاجأ بالهجرة.
صمت رسمي… وحوار رقمي حر
رغم الزخم الشعبي، فإن الردود الرسمية من الحكومات المغاربية جاءت إما باهتة أو معدومة، فيما بدا وكأن العبء أُلقي بالكامل على الشعوب لتبرير وجودها أو الدفاع عن أبنائها.
لكن مواقع التواصل منحت هؤلاء صوتًا قويًا، ليقولوا بصوت واحد:
“لسنا المشكلة… بل نتيجة مشاكلكم معنا.”
حين تتحوّل السخرية إلى مقاومة
هذا التفاعل الساخر لم يكن مجرد “تنفيس” أو “تسلية”، بل بات أسلوبًا من أساليب المواجهة الرمزية. فالسخرية هنا:
- تُفضح ازدواجية المعايير.
- تُذكّر بالسياق الاستعماري القديم.
- تُعيد رسم صورة المهاجر ليس كعبء، بل كنتيجة.
وبينما تستمر بروكسل في عقد اتفاقيات “ضبط الحدود” وتمويل “حرس السواحل” في الجنوب، تستمر شعوب الجنوب في كشف ما وراء هذه الاتفاقيات، بضحكة مُرة أحيانًا، وسؤال أخلاقي دائمًا.