رحيل ميركل والفراغ السياسي: أين تتجه ألمانيا في عالم مضطرب؟

مع رحيل المستشارة أنجيلا ميركل عام 2021، دخلت ألمانيا حقبة يُعاد فيها رسم دورها العالمي. خلال حكم ميركل امتاز التوازن الدقيق والتردد المدروس في السياسة الخارجية؛ لكن بعدها دخلت البلاد مرحلة “تيه” مع تحديات جديدة. اليوم، يبرز السؤال: هل تاهت ألمانيا وتألقت في الوقت ذاته؟ هذا المقال يستعرض التحولات، السياسات، التوقعات، ويحلل ماهية “البحث الألماني عن الذات” في عالم متغير.


1. ميركل وسياسة التوازن أو “Sitz-it-out” 🔄

أسست ميركل سياسة “الانتظار والتريث” عبر أزمات كبرى (أزمة اليورو، أزمة اللاجئين، الغاز الروسي) . كانت تركز على تجنب الانخراط الكامل، مفضلة حماية الاستقرار على المواجهة، وقد مكنها هذا من المحافظة على وحدة الاتحاد الأوروبي.

لكن الانتقاد جاء من نقاط:

  • تراجع في الإنفاق الدفاعي (لم تصل لـ2% من الناتج).
  • سياسة تعتمد اعتمادًا شديدًا على الولايات المتحدة في الأمن، وعلى روسيا والصين في الطاقة والتجارة.

هذه الرياضة السياسية أظهرت قوة التوازن الداخلي، لكنها أخلّت بالمصداقية الاستراتيجية في المجال الدولي.


2. الألمانية بعد ميركل: أي تحوّل سياسي؟

أ. ويل مرتز (Friedrich Merz) – عودة الحزم:

  • وعد بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج القومي، مما يشير إلى تغيير جذري
  • أول زيارة إلى واشنطن برفقة ترامب، أظهرت التزامًا بالأطلسي وأولوية للمصالح الأمنية والاقتصادية .
  • تهديدات بالتحرك ضد الصين وروسيا إذا استمر “التجاهل الاستراتيجي”

ب. أولاف شولتس – استمرارية معتدلة:

  • حافظ على نهج ميركل “الدقيق” في الشؤون الدولية، لكنه وضّح أن “المواصلة” ستكون بمزيد من المشاركة الأوروبية بدل التردد.

ج. بئربوك (الخضر) – الطموح الأخضر:

  • تمثّل بولادة تحوّل بالقيم: تدعيم استقلالية السياسة الخارجية الأوروبية، دعم حقبة دفاعية مشتركة للإتحاد، وربط العلاقة مع القيم المناخية وحقوق الإنسان .

3. التوترات الأساسية في الدور الخارجي الألماني

🔹 روسيا وأوكرانيا:

ميركل كانت سباقة في فرض العقوبات، لكنها اتسمت بتقارب اقتصادي خاص تجاه موسكو، حسب الإعلام . ما بعد ميركل، نشهد موقفًا أكثر تشددًا وتحقيقًا لموقف مؤتمر ميونيخ الأمنية الأخلاقي.

🔹 الصين:

التحول لاحق: النقاش حول اعتماد الاقتصاد الألماني على السوق الصينية أثار انقسامات بين التحرر الاقتصادي والأمن القومي.

🔹 أوروبا والولايات المتحدة:

بينما تستهدف برلين تعزيز الردع الأوروبي العسكري، إلا أنها واعية بضرورة الحفاظ على علاقات قوية مع أمريكا في ظل الضغوط الاقتصادية والأمنية المتزايدة .


4. التكلس الداخلي: المجدّدون والمحافظون

التيار السياسيالرؤية الخارجية
Merz (CDU)تعزيز الإنفاق الدفاعي، سياسة حازمة تجاه الصين وروسيا، تقارب بالأطلسي
Scholz (SPD)النهج المعتدل والمستمر، تعزيز دور الاتحاد الأوروبي، نهج شراكة عملية
Bürgerblock (الخضر)مبادرات دفاع مشترك، استقلال استراتيجي أوروبي، دمج المناخ وحقوق الإنسان في السياسة

5. واقع السياسة الخارجية الألمانية الآن

  • تنسيق أكبر داخل الناتو والأطلس البحري يتجاوز مجرد إيفاد الأموال (ألمانيا تدعم أوكرانيا بنحو €150 مليار) .
  • تنوع اقتصادي عبر فتح علاقات تجارية أوسع مع الهند، وشراكات استخباراتية بحرية .
  • دعم واضح للاستقلال العملياتي – “السيادة الاستراتيجية” عبر مساهمة أوسع بالمبادرات الأوروبية الدفاعية .

6. تحديات وتوقعات مستقبلية

  1. إفراط السياسات الدفاعية قد يولّد رفضًا داخليًا قويًا بسبب الحس السلمي للمواطنين بعد التاريخ العسكري.
  2. تقاطع المصالح: أوروبا تسعى للحرية، وألمانيا تحتاج الدعم الاقتصادي. المعادلة ليست سهلة.
  3. صعود اليمين (AfD): نجحت بالمنافسة وانتزعت 20.8% من الأصوات، ما يفرض حالة يقظة أوروبية.
  4. متطلبات الاتحاد الأوروبي: دور ألماني أكثر صرامة مطلوب لدعم مشروعات الدفاع الذاتي، لكن الفجوة القيمية ما تزال قائمة.

✅ الخلاصة

بعد رحيل ميركل، تغيّر الخطاب الألماني الجغرافي: من سياسة الانتظار “المطمئنة” إلى انخراط أعنف وأكثر وضوحًا في السياسة الأمنية والدفاعية. لا تزال البلاد تبحث عن توازن بين استقلال استراتيجي، أطر شراكة قوية مع الحلفاء، وتكاليف داخلية واقتصادية تتحكم فيها المشاعر العامة تجاه السلم العربي.

لهذا، لا يمكن اعتبار الدور الألماني المتردد “تيهًا”، بل صراع إيجابي للبناء من جديد، ولإيجاد موقع استراتيجي يليق بأكبر اقتصاد أوروبي في سياق عالمي تحكمه المنافسة والتوتر.


❓ أسئلة شائعة (FAQ)

1. لماذا كان يقال إن ألمانيا “تائهة” بعد ميركل؟

بسبب الانتقال من سياسة توازن مدروسة نحو انفتاح أقل وضوحًا في الأولويات الأمنية والدفاعية.

2. هل هناك تحول حقيقي في الإنفاق العسكري؟

نعم، قفز مخصصات الدفاع إلى نحو 5% من الناتج القومي، وهو أعلى مستوى منذ الحرب العالمية الثانية .

3. ما موقف ألمانيا تجاه روسيا والصين الآن؟

ألمانيا أصبحت أكثر تحفظًا ضد روسيا وقلقة من الاعتماد على الصين بعدما تجددت أزمة الطاقة من روسيا والصناعة من الصين .

4. هل ألمانيا تخلت عن تراث ميركل؟

لا.. هناك استمرارية في التعددية الأوروبية، لكن النهج بات أكثر جرأة واستجابة للتحديات الدولية.

5. ما أبرز التوقعات المستقبلية؟

استمرار الحوار السياسي حول الإنفاق الدفاعي، صعود اليمين المحلي، وتعاظم دور ألمانيا في الأمن الأوروبي وميثاق الدفاع المشترك.

Show Comments (0) Hide Comments (0)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
المقالات الأخيرة: