تجربة القهوة العربية في باريس: ثقافة وصُدفة

لم تكن القهوة يومًا مجرّد مشروبٍ أسود مرّ، بل كانت دائمًا لغةً، وطقسًا، وذاكرةً سائلة.
لكن أن تجد القهوة العربية في قلب باريس، في زقاق هادئ أو ركن متواضع بمقهى صغير، لهو أمر يوقظ فيك إحساسًا غريبًا: حنين غير متوقع، ودهشة ثقافية غير مبرمجة.


حين تقودك الصدفة إلى فنجان لهجته شرقية

ليست كل المقاهي الباريسية مقاهي “أونستغرامية” تنضح بديكور فرنسي كلاسيكي ونادلات يتقنون الآهات الرقيقة.
بعضها، ببساطة، امتداد لثقافات متنقلة حملها المهاجرون، أو افتتحها عشاق للشرق، أو بناها أصحاب الحنين.

تدخل لتشرب إسبريسو، فيقترح عليك النادل بلطفٍ قهوة “على الطريقة العربية”.
تتردّد، ثم توافق، لأنك تريد أن ترى كيف تكون “قهوة عربية” في هذه المدينة.


الفنجان نفسه… أم أنه مختلف؟

طُرح الفنجان على الطاولة دون صحن تحته، صغيرًا، مائلًا قليلًا، وتتصاعد منه رائحة الهيل.
تشرب الرشفة الأولى، فإذا بها ليست مجرّد مذاق مألوف، بل تذكرة عاطفية، تستحضر جدّتك، أو جلسات رمضان، أو صباحات الجمعة في بلدك البعيد.

لكنّها ليست تمامًا كما عهدتها:

  • ربما كانت أكثر حلاوة.
  • ربما فُهِم الهيل فيها كعنصر “غريب” لا أصيل.
  • وربما كانت مجرد محاولة طيبة لا أكثر.

لكنها محاولة تصنع فارقًا: أن يُفكر أحدهم بتقديم ما يشبهك، في مكانٍ لا يشبهك.


في باريس… القهوة أيضًا مُحمّلة بالهويات

باريس، كعادتها، مدينة لا ترفض الثقافات، لكنها تعيد تفسيرها.
ولذا فإن القهوة العربية التي تُقدَّم هنا، لا تأتي دائمًا بوصفها “أصلية”، بل بوصفها نقطة تلاقي.
هي ليست قهوة الكثبان، ولا قهوة المجالس البدوية، ولا قهوة الأمهات المتعبات في الشام أو بغداد.

هي قهوة مسافرة، فقدت بعضًا من طقوسها، لكنها احتفظت بروحها.


الحوار حول القهوة أعمق من طعمها

في بعض هذه المقاهي، تقودك القهوة إلى حوار مع النادل أو الزبون المجاور.
تُسأل: من أين أنت؟ هل هذه القهوة تشبه قهوتكم؟ ما الفرق بين القهوة التركية والعربية؟

وتجد نفسك تشرح، وتستعيد، وتبتسم.
القهوة هنا ليست فقط ما يُشرب، بل ما يُقال ويُتذكر.
وهو ما يُعيد تعريف المقاهي من فضاءٍ للراحة إلى حيّز صغير للهُوية اليومية المتحركة.


مقاهي باريس كمرايا للمهاجرين والحنين

في بعض المقاهي التي يديرها عرب، تكون القهوة العربية بمثابة صوت للذاكرة.
كأنهم يقولون: “نحن هنا، وذاكرتنا معنا”.
في اللافتات، في فناجين النقش الذهبي، في الصواني النحاسية، وفي طيف موسيقى فيروز الخافتة في الخلفية.

إنها محاولة للقول إن الثقافة لا تموت بالهجرة، بل تتشكّل من جديد على مقاعد الخشب في شارع جانبي من باريس.


قهوة عابرة أم رمزية دائمة؟

قد تكون هذه التجربة لحظة عابرة لسائح، أو ذكرى قصيرة لمغترب.
لكنها تفتح سؤالًا أكبر: هل يُمكن للثقافات أن تتجاور حقًا، دون أن تذوب أو تتصادم؟

القهوة العربية في باريس ليست مجرد مشروب، بل رمز لحضور غير معلن، لحنين يتحوّل إلى منتج، ولحكاية تعيش في فنجان صغير.

Show Comments (0) Hide Comments (0)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
المقالات الأخيرة: