الطاقة: أداة نفوذ جديدة أم قديمة؟

منذ أن بدأ العالم يعتمد على الوقود الأحفوري في القرن العشرين، أصبحت الطاقة أكثر من سلعة…
صارت أداة للضغط، وسلاحًا للردع، وضمانة للنفوذ.

واليوم، مع التحول إلى الطاقة المتجددة وتغيّر الجغرافيا السياسية، يعود السؤال بصيغة جديدة:
هل تغيّر دور الطاقة كأداة نفوذ؟
أم أنها لا تزال تؤدي نفس الوظيفة… بأدوات وأسماء مختلفة؟

أولًا: حين صاغ النفط سياسة القرن العشرين

كانت أزمات الطاقة أكبر من مجرد تقلبات سوق:

  • في 1973، استخدمت دول عربية النفط كسلاح سياسي ضد داعمي إسرائيل في حرب أكتوبر.
  • في 1979، أحدثت الثورة الإيرانية زلزالًا في أسواق النفط العالمية.
  • حروب الخليج (1991 و2003) لم تكن بعيدة عن خطوط أنابيب البترول ومصالحه.

في كل تلك الأحداث، كانت الطاقة – خاصة النفط – عنصرًا مركزيًا في اتخاذ القرار الدولي.

ثانيًا: روسيا والغاز… نموذج الهيمنة الحديثة

مع مطلع القرن الحادي والعشرين، ظهر الغاز الطبيعي، وتحديدًا الروسي، كأداة نفوذ قوية:

  • أوروبا اعتمدت لعقود على الغاز الروسي لتدفئة بيوتها وتشغيل صناعاتها.
  • موسكو استخدمت هذا الاعتماد كورقة ضغط سياسي على أوكرانيا ودول شرق أوروبا.
  • في 2022، بعد غزو أوكرانيا، قطعت روسيا الغاز عن أوروبا… في لحظة مفصلية كشفت هشاشة “الاستقرار الطاقوي”.

💡 الرسالة الروسية واضحة: من يملك صمام الغاز، يملك ورقة التفاوض.

ثالثًا: الجغرافيا الجديدة للطاقة المتجددة

مع انتقال العالم نحو الطاقة النظيفة (شمس، رياح، هيدروجين)، تغيّرت الخريطة… ولكن لم يختف النفوذ:

  • الصين تُسيطر على أكثر من 70% من إنتاج ألواح الطاقة الشمسية وموادها الخام.
  • إفريقيا تمتلك معادن أساسية في بطاريات السيارات الكهربائية (الليثيوم، الكوبالت).
  • أوروبا تطوّر مشروعات ربط كهربائي مع دول جنوب المتوسط، لتحوّلها إلى مصادر طاقة متجددة.

🎯 النتيجة؟ حتى “الطاقة النظيفة” تخضع لقواعد السيطرة والنفوذ الجيوسياسي.

رابعًا: من الاحتكار إلى الشراكات الاستراتيجية

اليوم، لم تعد الدول تُفكّر في “الهيمنة على مصدر طاقة”، بل:

  • بناء شبكات متعددة الأطراف للطاقة.
  • عقود طويلة الأمد لتأمين الإمدادات.
  • تحالفات طاقية (مثل أوبك بلس أو التحالفات الأوروبية-المتوسطية).

ما تغيّر هو أن النفوذ لم يعد قائمًا على “المنع” فقط، بل على “الربط” و”الاعتماد المتبادل”.

خامسًا: هل يمكن تحييد الطاقة عن السياسة؟

رغم الحديث عن “فصل السياسة عن الاقتصاد”، فإن الواقع يُثبت العكس:

  • كلما زادت أهمية مورد ما، زادت احتمالات توظيفه سياسيًا.
  • أمن الطاقة بات مفهوما أكثر شمولًا: يشمل البنية التحتية، أسعار السوق، والتحكم في التقنيات.

بل يمكن القول إن الطاقة أصبحت اليوم ساحة صراع غير معلنة: من المنافسة على المعادن الخضراء، إلى سباق الهيدروجين، إلى التحكم في شبكات النقل العابر للقارات.

خاتمة: سلاح لم يتقاعد… بل تطور

الطاقة لم تتوقف يومًا عن كونها أداة نفوذ.
ما تغيّر هو نوع الطاقة، وآليات توظيفها، والمسرح الذي تُستخدم فيه.

  • في الماضي: كانت السيطرة على آبار النفط.
  • اليوم: هي السيطرة على سلاسل التوريد، وموارد الطاقة الخضراء، والبنية التحتية العابرة للحدود.

وهكذا، فإن الطاقة تبقى في قلب الجغرافيا السياسية – قديمة في الهدف، حديثة في الشكل.

Show Comments (0) Hide Comments (0)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
المقالات الأخيرة: