حين ندخل الصف الأول، لا ندرك أن وراء تلك الجدران ما هو أكثر من الحروف والأرقام.
فالمدرسة ليست فقط مكانًا لتعلّم القراءة والكتابة، بل مصنع يُنتج المواطن الذي تريده الدولة.
فهل تُعلم المدارس الحقيقة؟ أم ما تريده السلطة أن نصدّقه؟
📘 أولًا: بين المعرفة والتلقين
الفرق الجوهري بين التعليم كأداة للتحرير والتعليم كأداة للهيمنة يكمن في طريقة تقديم المعرفة:
- 🧠 التعليم الناقد يحرر العقل ويسمح بالتفكير.
- 🔁 التعليم الملقَّن يعيد إنتاج الطاعة والخضوع.
في كثير من الدول، وخاصة في المنطقة العربية، يميل التعليم إلى نمطية صارمة:
“احفظ… كرر… لا تسأل كثيرًا.”
وهنا يُطرح السؤال:
هل المدرسة تصنع الإنسان المفكر، أم المواطن المُطيع؟
🗺️ ثانيًا: المناهج الدراسية تحت سلطة الدولة
المناهج ليست محايدة. من يقرر ما يُدرّس في التاريخ؟ من يحدد شكل الوطن؟ من يختار الشخصيات النموذجية التي تُقدم للتلاميذ؟
في أغلب الدول، السلطة السياسية هي من تُشرف على رسم السياسات التعليمية، مما يجعل المناهج مرآة للخطاب الرسمي.
أمثلة واقعية:
- 🟠 في بعض دول شمال إفريقيا: تم طمس فترات من التاريخ الاستعماري، أو تلميعه، حسب موقع الدولة من الغرب اليوم.
- 🟢 في بلدان الخليج: يُروّج للنموذج التنموي الرسمي مع تغييب أي تجربة نقدية أو بديلة.
- 🔴 في فلسطين ومناطق النزاع: المدرسة تصبح ميدانًا للصراع السردي حول الأرض والهوية.
المفارقة أن نفس الموضوع (الاستعمار، الحروب، الثورات…) يُدرس بطريقة مختلفة كليًا في بلدين عربيين متجاورين.
🧮 ثالثًا: دروس في الوطنية… أم في الولاء؟
تُقدّم مادة “التربية الوطنية” أو “التربية المدنية” غالبًا على أنها زرع للانتماء وحب الوطن، لكنها في كثير من الأحيان تتحول إلى:
- تمجيد الحاكم دون نقد السياسات.
- ترويج لرواية رسمية واحدة للتاريخ.
- تسفيه أي فكر معارض أو مختلف.
⚠️ النتيجة: يتخرّج الطالب وهو لا يفرق بين “حب الوطن” و”الخوف من الدولة”.
🧪 رابعًا: القيم التي تُغرس.. والمهارات التي تُقصى
التعليم الحقيقي لا يُقاس بعدد الكتب، بل بالقيم التي يُنميها:
| القيم المطلوبة | القيم التي تُغرس فعليًا (غالبًا) |
|---|---|
| الفضول والاستقلالية | الطاعة والانضباط |
| التفكير النقدي | التكرار والاجترار |
| التعبير الحر | الرقابة الذاتية |
| التعددية | رأي واحد |
👩🏫 هذا لا يعني أن كل المدارس متشابهة، ولكن القاعدة العامة في النظم المركزية هي تعزيز “النسخ”، لا “الخلق”.
📊 خامسًا: النظام التقييمي كأداة لضبط العقول
الامتحانات، العلامات، التصنيفات… كلها ليست فقط أدوات قياس، بل وسائل ضبط نفسي.
منذ الصغر، يُربى الطالب على:
- أن ما تقوله الورقة هو ما يحدد قيمتك.
- أن الخطأ جريمة لا فرصة للتعلم.
- أن التفوق يعني الطاعة، لا التميز الشخصي.
📎 هذا النموذج يُخرج موظفًا لا مفكرًا، ومنفذًا لا مبادرًا.
🌍 سادسًا: هل الأمر عالمي؟ أم خاص بالعالم العربي؟
السيطرة على التعليم ليست حكرًا على العالم العربي. حتى في الديمقراطيات، هناك جدل دائم حول:
- محتوى مناهج التاريخ (مثال: الجدل حول العبودية في أمريكا).
- مكانة الدين أو الفلسفة في التعليم.
- المساواة بين الجنسين أو قضايا الهوية.
لكن الفرق الجوهري هو:
في النظم الديمقراطية: التعليم خاضع لنقاش مجتمعي.
في النظم السلطوية: التعليم يُدار من فوق… بلا مساءلة.
📱 سابعًا: هل يمكن إصلاح التعليم السياسي في عصر الإنترنت؟
اليوم، لم تعد المدرسة المصدر الحصري للمعلومة.
بفضل الإنترنت ووسائل التواصل، بات بإمكان الطالب الوصول إلى روايات متعددة، وأدوات تعليم بديلة، ومنصات حرة.
💡 هذا يُحدث ثورة صامتة في مفهوم “التعليم”، ويحرج الأنظمة التي تصر على تلقين منهج واحد.
لكن بالمقابل:
- السلطات تحاول بسط السيطرة على الفضاء الرقمي أيضًا.
- رقابة المحتوى، تضييق على التعليم الذاتي، حجب منصات فكرية.
🎯 التحدي هو: كيف نحمي عقول الجيل الجديد من الاحتكار المعرفي، دون أن نتركها فريسة للفوضى المعلوماتية؟
🧭 خاتمة: التعليم هو السياسة بشكل آخر
المناهج التي تُدرّس للأطفال اليوم تصنع الناخبين، والمعارضين، والمطيعين، والقادة، والعاجزين غدًا.
🔍 لذا فإن طرح سؤال: “ماذا تُعلم المدارس فعلًا؟”
هو في حقيقته سؤال عن شكل المستقبل الذي نصنعه، وعن شكل الدولة التي نريد أن نحيا في ظلها.
فإن أردنا أوطانًا حرة، فلتكن المدارس ساحات للحرية.
وإن أردنا مواطنين فاعلين، فلنُعلّمهم كيف يفكرون، لا بماذا يفكرون.