لطالما شكّل البحر الأبيض المتوسط مركزًا للحضارات، وممَرًّا للثقافات، ومنطقة تفاعل إنساني وتجاري وعسكري عبر العصور.
فمن روما إلى قرطاج، ومن الأندلس إلى الإمبراطورية العثمانية، ظلّ هذا البحر شاهدًا على التلاقح والتصادم في آنٍ واحد.
لكن اليوم، ومع تصاعد أزمات الهجرة، والصراعات الجيوسياسية، والتنافس الطاقوي، عاد السؤال ليطرح نفسه بقوة:
هل أصبح المتوسط خط تماس متوتر؟ أم ما زال يحمل إمكانية التحول إلى خط تواصل وتعاون؟
أولًا: المتوسط الجغرافي والسياسي… فسيفساء من التناقضات
يغطي البحر المتوسط ثلاث قارات: أوروبا، إفريقيا، وآسيا، ويمتد على شواطئ أكثر من 20 دولة.
وهذه الدول تختلف في:
- الأنظمة السياسية (ديمقراطيات، جمهوريات، ملكيات، أنظمة انتقالية).
- المستويات الاقتصادية (من الاقتصادات الصناعية الكبرى إلى الدول النامية).
- الانتماءات الجيوسياسية (الناتو، الاتحاد الأوروبي، جامعة الدول العربية…).
🎯 هذا التنوع الكبير يجعل المتوسط ساحة تفاعل وتنافر في آنٍ معًا.
ثانيًا: الهجرة واللاجئون… البحر كجسرٍ محفوف بالمخاطر
خلال العقد الأخير، أصبح البحر المتوسط أحد أخطر طرق الهجرة في العالم:
- الهجرة غير النظامية من شمال إفريقيا ودول الساحل نحو أوروبا لا تزال مستمرة رغم تشديد الرقابة.
- لاجئون من مناطق النزاع (سوريا، ليبيا، فلسطين، السودان…) يركبون قوارب الموت بحثًا عن أمان مفقود.
- ردود الفعل الأوروبية تفاوتت بين الاستقبال الإنساني (ألمانيا، إسبانيا) والإغلاق الأمني (إيطاليا، اليونان).
📌 البحر هنا مساحة نجاة للبعض، وخوف للبعض الآخر.
ثالثًا: الطاقة والأمن… صراع على النفوذ
السنوات الأخيرة شهدت توترًا متزايدًا في شرق المتوسط:
- تنافس على الغاز الطبيعي بين تركيا، اليونان، قبرص، مصر، إسرائيل، ولبنان.
- تحالفات جديدة برزت مثل منتدى غاز شرق المتوسط (EMGF)، بينما تُهمَّش أطراف أخرى.
- تدخلات بحرية وعسكرية تُعيد شبح المواجهة.
💡 بدل أن يكون الغاز مشروعًا للتكامل، أصبح عنصرًا في لعبة المحاور الإقليمية.
رابعًا: المتوسط كجسر تعاون محتمل
رغم التوترات، يظل المتوسط يحمل فرصًا كبيرة للتكامل:
- مشاريع الربط الكهربائي بين جنوب المتوسط وشماله لتصدير الطاقة المتجددة (مثل مشروع المغرب-بريطانيا).
- التعاون في الأمن البحري ومكافحة التهريب عبر مبادرات مثل الاتحاد من أجل المتوسط.
- السياحة والثقافة ما تزالان من أبرز أدوات التواصل، رغم العوائق السياسية.
🔍 المشكلة أن هذه المشاريع غالبًا ما تبقى رهينة التوترات السيادية والخلافات الإقليمية.
خامسًا: الرؤية الاستراتيجية المفقودة
يعاني المتوسط من غياب رؤية شاملة تديره كـ”فضاء موحد”.
وذلك لأسباب عدة:
- غلبة المنطق الأمني على المنطق التنموي.
- ضعف الثقة بين الضفتين، خاصة بعد ثورات الربيع العربي وتبعاتها.
- تدخل القوى الكبرى (أمريكا، روسيا، الصين) كلٌّ وفق مصالحه.
✏️ أوروبا تخشى تدفقات الهجرة.
شمال إفريقيا يطالب بتعاون متكافئ.
لكن غياب شريك حقيقي على أساس الندية يعطل كل مشروع طويل الأمد.
خاتمة: البحر الذي يعكسنا جميعًا
يبقى البحر المتوسط مرآةً للتناقضات العالمية:
من جهة، هو ممر للتجارة والطاقة والتواصل الثقافي.
ومن جهة أخرى، هو ساحة للهجرة، والصراعات، والتجاذبات السياسية.
إنّ السؤال “خط تماس أم تواصل؟” لا يملك إجابة واحدة،
بل يظل مرهونًا بإرادة سياسية حقيقية تُعيد لهذا البحر دوره الحضاري الجامع، لا الحاجز الفاصل.